المسائل الفلسفية حول الفضاء-زمن
المسائل الفلسفية حول الفضاء-زمن تتلخص فى خمسة معضلات:
اولا
انطولوجيا ontology الفضاء-زمن من ناحية هل هو جوهر substance او عرض
property..بمعنى هل الفضاء او الزمن هو جوهر ( اى شيء قائم بذاته لا فى
موضوع) ام هو عرض (وهو ما يقوم بالجواهر كالصفات و الاحوال)?
الاعتراض ان الفضاء-زمن لا يمكن ان يكون جوهر يتأتى من كونه خامل و غير متاح سببيا كما انه لا يدرك بالحس.
والاعتراض الآخر انه لو كان جوهرا لكان اذن لانهائى وهذا ايضا مرفوض كما كان يفكر ديكارت و ليبنيز و كانط (فهم متفقون فى هذا) انه لا يمكن ان يكون هناك الا جوهر واحد لانهائى هو الله.
لهذا مثلا كان ديكارت يقول ان الفضاء-زمن لا متعين و لا يقول انه لانهائى.
أما الاعتراض على ان الفضاء-زمن لا يمكن ان يكون عرض فهو اوضح لان هذا يعنى ان وجوده قائم اما بجوهر ممكن وفى هذه الحال لو توقف الجوهر عن الوجود لتوقف الفضاء-زمن عن الوجود, او ان يكون قائم بجوهر قديم -اى الله- وهذا يعنى ان الفضاء-زمن هو من صفات الله وهذا ايضا يرفضه الكثير من الفلاسفة و منهم كانط.
الاعتراض ان الفضاء-زمن لا يمكن ان يكون جوهر يتأتى من كونه خامل و غير متاح سببيا كما انه لا يدرك بالحس.
والاعتراض الآخر انه لو كان جوهرا لكان اذن لانهائى وهذا ايضا مرفوض كما كان يفكر ديكارت و ليبنيز و كانط (فهم متفقون فى هذا) انه لا يمكن ان يكون هناك الا جوهر واحد لانهائى هو الله.
لهذا مثلا كان ديكارت يقول ان الفضاء-زمن لا متعين و لا يقول انه لانهائى.
أما الاعتراض على ان الفضاء-زمن لا يمكن ان يكون عرض فهو اوضح لان هذا يعنى ان وجوده قائم اما بجوهر ممكن وفى هذه الحال لو توقف الجوهر عن الوجود لتوقف الفضاء-زمن عن الوجود, او ان يكون قائم بجوهر قديم -اى الله- وهذا يعنى ان الفضاء-زمن هو من صفات الله وهذا ايضا يرفضه الكثير من الفلاسفة و منهم كانط.
ثانيا انطولوجيا الفضاء-زمن من ناحية ارتباطه بالاجسام الفيزيائية و علاقاتها?
هنا لدينا مدرستان..
مدرسة نيوتن المسماة بالمطلقية absolutism التى تنص على ان الفضاء-زمن هو موجود مطلق لانهائى وهو مستقل فى وجوده عن الاجسام الفيزيائية و العلاقات فيما بينها اى ان النقاط فى الفضاء-زمن موجودة..بعبارة اخرى فان الفضاء-زمن هو الفضاء-زمن الرياضى..
ومدرسة ليبنيز المسماة بالعلائقية relationalism التى تنص على ان الفضاء-زمن يتعلق فى وجوده على الاجسام الفيزيائية و علاقاتها الممكنة اى ان النقاط فى الفضاء-زمن غير موجودة..
قارنوا ليبنيز بأينشتاين..يبدو لى ان اينشتاين هو حل وسط بين ليبنيز و نيوتن..فالفضاء-زمن فيه النقطة لكنه يتعلق على الاجسام..
وحتى استبق الاحداث اقول ان كانط كان ضد وجهتى النظر هاتين معا وهو يسميهما بالواقعية المتسامية transcendental realism اما نظرته فهى اعمق بكثير تسمى المثالية المتسامية transcendental idealism وهو كان يسمى اتباع نيوتن بالباحثين الرياضيين فى الطبيعة اما اتباع ليبنيز وهم ايضا كثر جدا ربما الاغلبية خاصة فى اوساط الفلاسفة كان يسميهم بالباحثيين الميتافيزقيين فى الطبيعة..
وقد رد كانط على كل من ليبنيز و نيوتن لكن رده على نيوتن كان اكثر حسما و اقتضابا يعتمد فى اغلبه على مبادئ ميتافيزيقية عامة اما رده على ليبنيز فقط كان اكثر تفصيلا و كان متعبا له لان ليبينز لم يكن بالفيلسوف الهين فأراءه ايضا كانت معقدة مركبة يصعب فهمها على القارئ العادى...
هنا لدينا مدرستان..
مدرسة نيوتن المسماة بالمطلقية absolutism التى تنص على ان الفضاء-زمن هو موجود مطلق لانهائى وهو مستقل فى وجوده عن الاجسام الفيزيائية و العلاقات فيما بينها اى ان النقاط فى الفضاء-زمن موجودة..بعبارة اخرى فان الفضاء-زمن هو الفضاء-زمن الرياضى..
ومدرسة ليبنيز المسماة بالعلائقية relationalism التى تنص على ان الفضاء-زمن يتعلق فى وجوده على الاجسام الفيزيائية و علاقاتها الممكنة اى ان النقاط فى الفضاء-زمن غير موجودة..
قارنوا ليبنيز بأينشتاين..يبدو لى ان اينشتاين هو حل وسط بين ليبنيز و نيوتن..فالفضاء-زمن فيه النقطة لكنه يتعلق على الاجسام..
وحتى استبق الاحداث اقول ان كانط كان ضد وجهتى النظر هاتين معا وهو يسميهما بالواقعية المتسامية transcendental realism اما نظرته فهى اعمق بكثير تسمى المثالية المتسامية transcendental idealism وهو كان يسمى اتباع نيوتن بالباحثين الرياضيين فى الطبيعة اما اتباع ليبنيز وهم ايضا كثر جدا ربما الاغلبية خاصة فى اوساط الفلاسفة كان يسميهم بالباحثيين الميتافيزقيين فى الطبيعة..
وقد رد كانط على كل من ليبنيز و نيوتن لكن رده على نيوتن كان اكثر حسما و اقتضابا يعتمد فى اغلبه على مبادئ ميتافيزيقية عامة اما رده على ليبنيز فقط كان اكثر تفصيلا و كان متعبا له لان ليبينز لم يكن بالفيلسوف الهين فأراءه ايضا كانت معقدة مركبة يصعب فهمها على القارئ العادى...
ثالثا وهى معضلة لا تقل صعوبة عن معضلات الانطولوجيا اعلاه وهى التساؤل ماهو اصل تمثيل الفضاء و الزمن فى العقل? ..
والتمثيل representation -وهو احد مصطلحات كانط المعقدة- نقصد به الفكرة..اى ماهو اصل فكرة الفضاء و فكرة الزمن?..فنحن لدينا فكرة او تمثيل للاجسام فى الفضاء و فى الزمن كما انه لدينا فكرة او تمثيل للفضاء و الزمن أنفسهما..اذن من اين جاء هذا التمثيل الثانى خاصة اذا تذكرنا ان الفضاء-زمن هو خامل سببيا وبالتالى لا يدرك بالحس ..
والتمثيل representation -وهو احد مصطلحات كانط المعقدة- نقصد به الفكرة..اى ماهو اصل فكرة الفضاء و فكرة الزمن?..فنحن لدينا فكرة او تمثيل للاجسام فى الفضاء و فى الزمن كما انه لدينا فكرة او تمثيل للفضاء و الزمن أنفسهما..اذن من اين جاء هذا التمثيل الثانى خاصة اذا تذكرنا ان الفضاء-زمن هو خامل سببيا وبالتالى لا يدرك بالحس ..
رابعا وهى معضلة ذى علاقة
وطيدة بالمعضلة السابقة..وهى ماهو بالضبط محتوى تمثيل او فكرة الفضاء-زمن
فى العقل?..فحسب كانط محتوى تمثيل الفضاء-زمن يمكن ان يؤدى بنا الى اصل
تمثيل الفضاء-زمن فى العقل كما ان معرفة الاصل سيعطى لنا صورة افضل عن
محتوى التمثيل..فمثلا بخصوص الفضاء فان محتوى التمثيل يعكس لحد ما ما نعرفه
عن الفضاء من الهندسة الاقليدية..
خامسا وهى المعضلة التى تربط
المعضلات الاربعة اعلاه ببعضها البعض..ماهى العلاقة بين الفضاء-زمن من جهة و
العقل من جهة اخرى?...بالنسبة لكانط هذه المعضلة تصاغ بشكل اخطر: هل يتعلق
الفضاء-زمن فى وجوده على العقل?...الجواب بالنسبة اليه كما سنرى هو نعم
..وهو يذهب ابعد من هذا حيث يقول ان هذا النوع من الوجود القائم بالعقل
سيوفر فرصة افضل فى فهم انطولوجيا الفضاء-زمن من ناحية الجوهر-العرض و من
ناحية الارتباط بالاجسام الفيزيائية و علاقاتها و ايضا سيوفر امكانية افضل
لفهم اصل و محتوى تمثيل الفضاء-الزمن فى العقل..
التمثيل
ولحسن حظنا كفيزيائيين نظريين ان محور الفلسفة الحديثة كانط اعتمدت فلسفته بشكل محورى على الفضاء-زمن الذى هو مجال الفيزياء النظرية الاساسى...
واضيف و اقول ان كانط فى الفلسفة مثل الميكانيك الكمومى فى الفيزياء..
يمكن ان تدرس الفيزياء و لا تدرس الكمومى و تسمى نفسك فيزيائى و تعيش سعيد فى وهم ماشاء الله لك ان تعيش فكذلك يمكن ان تدرس الفلسفة و لا تدرس كانط و تسمى نفسك فلسفى و تعيش سعيد فى وهم ما شاء الله لك ان تعيش..لكن الوهم لن يغنى عن الحقيقة شيئا كما يعلم ذلك الجميع...
اذن الفضاء عند كانط هو (فطرة محضة اى سبقية فى العقل) و كذلك فالزمن عنده هو (فطرة محضة اى سبقية فى العقل)..
و الفطرة intuition و المحضة pure و السبقية a priori هى مصطلحات كانطية يتطلب شرحها ثم فهمها جهدا جهيدا وهذا ما ساحاوله.
وهى مصطلحات تعتمد على المصطلح الآخر الاكثر تعقيدا التمثيل representation الذى هو موضوع هذا المنشور..
ويبقى اهم مصطلحات كانط و اعقدها التسامى transcendental الذى سنعقد له لوحده منشورا ان شاء الله...
اكتفى الآن بذكر ان التسامى هو تسامى الاستعراف cognition على الحس وليس العكس لان هناك تمثيلات فطرية محضة اى سبقية مثل الفضاء و الزمن و المقولات categories كلها فطرية فى العقل لا تحتاج الى الحس فى اكتسابها ولهذا فهى محضة او سبقية...
اذن الفضاء و الزمن بالنسبة لكانط هى مثل المقولات (تذكروا مقولات ارسطو و ابن سينا)..وامثلة على المقولات اذكر الجوهر و السببية و غيرها و سنذكرها فى محلها ان شاء الله...
ومما يصعب قضية المصطلحات فى الفلسفة انها ليست قضية لغوية محضة لكن ليس لدينا الا اللغة لفهمها -ثم نحن لانترجم من الاصل الالمانى بل من الترجمة الانجليزية-..ولو قارنا بالفيزياء النظرية وهى ايضا تعانى من حشد هائل من المصطلحات لوجدنا ان الامر اقل سوءا فى الفيزياء لان المصطلح تضبطه اللغة لكن ايضا تضبطه الرياضيات كما ان ترجمتنا هى من الانجليزية مباشرة...
واحد امثلة الترجمة هى كلمة intution التى ترجمناها فطرة و ليس حدس لاننى شعرت بقوة ان كانط يقصد بها الاولى و ليس الثانية..
كما ان الفطرة هى قضية محورية عندنا فى الفلسفة و ادعى بعضهم (ابن تيمية) انها كافية لوحدها لمعرفة الله...
كانط لانه من الاوائل الذىن تعاملوا مع الفلسفة كأنها علم و ليس جدل او ادب كما يريد ان يتعامل بعضهم معها -حتى تبقى غلى حل شعرها كما يقولون- فقد ضبط بالضبط ماهية المعرفة المكتسبة بالفطرة ومنها مثلا الفضاء و الزمن...
اذن بعد هذه المقدمة الطويلة نسبيا أعرف الشيء-فى-ذاته thing-in-itself على انه الشيء فى الخارج -اى خارج الذهن- واحد اعمدة فلسفة كانط هو الادعاء ان هذا الشيء-فى-ذاته لا يمكن ابدا ان نعرف حقيقته اى كما هو فى نفسه و كل ما يمكن ان نعرف عنه هو ظواهره appearances...فقط الله -يقول كانط- يمكنه ان يعرف الاشياء-فى-ذاتها...
ولهذا فان كانط بعد جهد جهيد يحصر المعرفة فى الرياضيات و العلوم الطبيعية اما الميتافيزقيا فيقول عنها كانط ان المعرفة فيها مستحيلة بمعنى ان كل ما يمكن تحقيقه فى الميتافيزيقا هو معرفة مثالية متسامية وليس معرفة واقعية متسامية كما فى الرياضيات و الفيزياء...وهذا نوع من التفويض الذى قال به السلف والذى نازع فيه المعتزلة و الحنابلة فاحدهم عطل و الآخر اثبت...وكل هذا راجع الى القيود السبقية التى يخضع اليها العقل الناجمة من ملكة التلقى receptive capacity -الاحساسية- و ملكة التعقل concetual capacity -الفهم- اللتان سنشرحهما بتفصيل اكثر ادناه...
نعرف الآن التمثيل representation بأنه هو ادراك perception الراصد -مصطلح الفيزياء النظرية- او الأنا -مصطلح الفلسفة- للمرصود اى للشيء او للعرض او للحادث ألخ.
وهذا الادراك قد يكون بوعى conscious او بدون وعى unconscious..
التمثيل الذى هو ادراك بوعى -وهو الأهم- ينقسم الى الشعور sensation الذى هو معرفة ذاتية و الى الاستعراف cognition الذى هو معرفة موضوعية اذن هذه هى المعرفة التى نسعى وراءها...
ثم ينقسم الاستعراف الذى هو معرفة ذاتية موضوعية بدوره الى الفطرة intution و الى المفهوم concept..
انظر الصورة..
اذن الفطرة هى تمثيل فى الذهن واعى و موضوعى..
لكن الشعور هو تمثيل فى الذهن واعى و ذاتى..اذن الشعور هو ليس تمثيل للشيء او للعرض او للحادث بل هو حالة للأنا او الراصد...بعبارة اخرى فان الشعور لا يمثل اى شيء مختلف عن الأنا الذى يشعر..
اذن هناك فرق جلى بين الفطرة و الشعور..
لكن هناك ايضا فرق أجلى بين الفطرة و المفهوم..
فالفطرة هى تمثيل مباشر مفرد اما المفهوم فهو تمثيل غير مباشر عام.
فالفطرة تمثل X-حيث X هو شيء او عرض او حادث- كما نمثل X فى الادراك اى ذلك الذى هناك that there. اى ان الفطرة هى تمثيل لا يستعمل تمثيلات اخرى فهو مباشر و مفرد.
اما المفهوم فانها تمثل X بوضعه فى نوع او أكثر. اذن المفهوم هو تمثيل يستعمل تمثيلات اخرى كوسائط -ولهذا فهو غير مباشر و عام-.
اهم انجازات كانط هو النص على ان كل من الفطرة و المفهوم قد يكون سبقى a priori و قد يكون لحقى a posteriori.
و حتى ندرك اهمية هذا الامر فاننا نعرف المعرفة السبقية على انها المعرفة التى لا تعتمد على الحس و التجربة مطلقا فى ارسائها مثلا الرياضيات و الطوطولوجيات tautologies اى المغالطات -وهى القضايا الصحيحة فقط بالاستناد الى البناء اللغوى مثلا كل العزاب غير متزوجين- و الاستنباط deduction من العقل المحض مثلا براهين الانطولوجيا .
اما المعرفة اللحقية فهى المعرفة التى تعتمد على الحس و على التجربة مثلا العلوم الطبيعية.
وقد كان الفلاسفة متفقون ان المفهوم الذى هو تمثيل واعى موضوعى غير مباشر و عام قد يكون سبقى كما انه قد يكون لحقى.
اضافة كانط العميقة هو النص على ان الفطرة هى ايضا قد تكون سبقية كما انها قد تكون لحقية. اذن الفطرة يمكن ان تكون سبقية محضة لا تعتمد ابدا على الحس.
فمثلا ينص كانط فى الجمالية المثالية Transcendental Aesthetic -وهى الباب الاول فى كتابه الفذ نقد العقل المحض Critique of Pure Reason- على ان تمثيل او ادراك الفضاء-زمن فى الذهن هو فطرة (اى تمثيل مباشر مفرد) سبقية محضة (اى لا يعتمد على الحس).
هذا يعنى انه يستحيل علينا اختبار الاشياء التى ليست فى الفضاء و الزمن. من الجهة الاخرى لا يدرك الفضاء-زمن مباشرة اذن الفضاء-زمن هو النمط الذى يتم به ادراك الاشياء.
يمكننا ان نتصور وجود وعى يدرك الاشياء-فى-ذاتها مباشرة و ليس عبر الفضاء-زمن (مثلا الله) لاننا يمكن ان نتصور-يقول كانط- وعى محض فطرى. لكن ادراكنا للاشياء يتم دائما عبر الاحساسية التى تخضع لشرطى الفضاء و الزمن وهما شرطين سبقيين..
اذن الاحساسية sensibility هى مصطلح آخر فى مقابل مصطلح اضافى هو الفهم understanding...
اذن نذكر ان العقل يتميز بملكتين الأولى للتلقى هى الاحساسية -وهى المسؤولة عن الفطرة- و الثانية للتعقل هى الفهم -وهى المسؤولة عن المفهوم-...
والاحساسية sensibility و الشعور sensation مختلفان جدا رغم ان الاصل الانجليزى له نفس الجذر..اما فى الالمانى فهما مختلفان تماما فنقول Sinnlichkeit و Empfindung...
وهنا مثال على خطورة اللغة فى الاداء..
فالاحساسية هى القدرة الموضوعية للحصول على الفطرة التى تضم مثلا المعرفة الرياضية و التخيل و غيرها اما الشعور فهى حالة الأنا الذاتية عند الادراك..
اما الفهم فانه يستخدم الاحساسية للوصول الى الاشياء قبل ان يبدأ فى التفكير..
يقول كانط مثلا: بدون الاحساسية لا تعطى الاشياء لنا. وبدون الفهم لا يمكن التفكير فى الاشياء. فالافكار بدون محتوى فارغة و الفطرة بدون مفاهيم ضريرة.
ونتوقف هنا..فهذا الذى ذكرته اكثر من كافى...
العرض الميتافيزيقى
سوف نركز على الفضاء فقط. وعلى اراء كل من نيوتن و ليبنيز و كانط.
نيوتن
كان اهتمام نيوتن الأول بالحركة (التى لم تهم مطلقا ليبنيز و كانط لانها مفهوم حسي فى الاساس) و بالضبط اهتم بتحديد الحركة الحقيقية اى المطلقة من الظاهرية اى النسبية وهذا لتعيين القوى المحددة للحركة. ولهذا افترض ان الفضاء مطلق وهذا التوجه هو ما يسمى بالنظرة المطلقية للفضاء. اذن الفضاء هو موجود واقعى مستقل عن كل شيء آخر قائم بذاته.
ليبنيز
اما نظرة ليبنيز فهى ان الفضاء هو جملة العلاقات الممكنة و الحقيقية بين الاشياء. اذن الفضاء قائم فى وجوده على وجود الاشياء و علاقاتها. وهذه وجهة النظر العلائقية.
كانط فى دوره قبل-النقدى (اى قبل ان يكتب كتابه نقد العقل المحض ويصبح كانط الذى نعرفه اليوم) كان متابعا من اكبر المتابعين لليبنيز. وخلال هذا الدور كان يحاول ياستماتة التوفيق بين نظرة نيوتن المطلقية و نظرة ليبنيز العلائقية. لكنه بعد الدور النقدى فان كانط اصبح معاديا و بشدة لكلا النظرتين و هما بالنسبة اليه مختلفتان عن بعضهما البعض بشكل بسيط سطحى و هو يسميهما معا بالمثالية الواقعية.
كانط
يقول كانط فى العرض الميتافيزيقى metaphysical exposition لفكرة الفضاء فى الجمالية المتسامية transcendental aesthetic ان تمثيل (لاحظوا انه دائما يتكلم عن تمثيل الشيء و ليس عن الشيء-فى-ذاته) الفضاء لا هو حسى (ضد الفلسفة الحسية) و لا هو مفهوم (ضد الفلسفة العقلية) و حججه اربعة :
- اولا الفضاء ليس مفهوم حسى عكس ما يذهب اليه لوك Lock و هيوم Hume. هذا يعنى ان اصل تمثيل الفضاء فى الذهن ليس الحس و التجربة. اذن حتى نمثل جسمين A و B مفصولين بمسافة فى الفضاء يجب اولا ان نمثلهما فى الفضاء. اذن تمثيل الفضاء سابق على تمثيل المسافة بالنسبة لكانط و هذا عكس ما يذهب اليه لوك.
- ثانيا الفضاء هو تمثيل ضرورى سبقى (اى لا يعتمد على الحس و هى النقطة الاولى بشكل مختلف). مثلا هنا يقدم كانط الحجة التالية. رغم انه يمكننا تمثيل الفضاء على انه فارغ من الاشياء لا يمكننا تمثيل انعدام الفضاء ابدا. اذن الفضاء هو شرط امكانية الظواهر وليس تحديد يتعلق على الظواهر. تذكروا ان الظواهر هى الاشياء-فى-انفسها كما تبدو للعقل او الأنا.
اذن هذه النقطة هى معارضة بشكل مباشر لموقف ليبنيز الذى ينص على ان الفضاء هو جملة العلاقات الممكنة و الحقيقية بين الاشياء. اى انه بالنسبة لليبنيز فان فكرة وجود الفضاء بدون الاشياء و العلاقات فيما بينها هى فكرة متناقضة. رغم هذا فان ليبنيز يمكنه تخيل او تصور فضاء خالى من الاشياء-اى الفضاء المطلق لنيوتن- عكس كانط الذى يعتقد ان هذا الفضاء فعلا موجود كنمط من انماط الفطرة.
المعضلة ان وجود هذا الفضاء الخالى من الاشياء كما يتصوره نيوتن -هنا كانط و ليبنيز متفقان- يخرق مبدأ العلة الكافية principle of sufficient reason. هذا يعنى ان انتظام و انسجام الفضاء يعنى ان الله رغم انه يمكنه ان يخلق هذا الفضاء فانه ليس له اى علة تبرر وضع الاشياء فيه بشكل او بآخر وهذا محال فى حق الله اذن الفضاء الخالى محال. ليبنيز يذهب اكثر من هذا لهدم فكرة الفضاء المطلق و يقول ان هذا الفضاء يتناقض ايضا مع مبدا تطابق المتطابقات principle of the identity of indiscernibles.
يبقى توضيح هل الفضاء مفهوم او فطرة و ايضا محتوى تمثيل الفضاء فى العقل. وهذا معطى بالحجتين المواليتين فى العرض الميتافيزقيى.
-ثالثا تمثيل الفضاء هو فطرة محضة (اى تمثيل مباشر مفرد) و ليس مفهوم (اى تمثيل غير مباشر عام). الحجة هنا تعتمد على القول انه لو كان الفضاء مفهوم لكان من الممكن تمثيل اجزاءه بشكل منفصل عن تمثيل الفضاء ثم اعادة تركيب مفهوم الفضاء من هذه الاجزاء.
مثلا كلمة (الانسان) هى مفهوم و ليس فطرة لانها تعنى (الكائن المخلوق المادى الحى العاقل) ويمكننا تمثيل كل كلمة من هذه الكلمات و بشكل منفصل عن (الانسان) كمفهوم ثم نعيد تركيب مفهوم (الانسان) من هذه الاجزاء.
هذا شيء لا نستطيع ان نقوم به مع تمثيل (الفضاء). لان تمثيلات المكان و المسافة فرعية على تمثيل الفضاء اى ان المكان يفترض الفضاء و المسافة تفترض الفضاء وليس العكس (حسب الحجة الاولى) وهذا عكس رأى ليبنيز ان المكان هو المؤسس للفضاء.
-رابعا تمثيل الفضاء هو لانهائى فى المقدار اى يحتوى على عدد غير منته من الامكنة. هذا يعنى ان الفضاء لا يمكن ان يكون مفهوم لانه لوكان مفهوم لكان تمثيل الفضاء سيتطلب تمثيل عدد غير منته من الامكنة وهذا محال. بل هو فطرة محضة اى سبقية.
التسامى المثالى
فى الجمالية المتسامية فى نقد العقل المحض يقدم كانط عرض ميتافيزقيى للفضاء (الذى يهتم بأصل و محتوى تمثيل الفضاء) ثم يقدم عرض متسامى للفضاء الذى يناقش فيه الاستعراف السبقى التركيبى المحتوى فى الهندسة.
تذكروا ان هناك معرفة سبقية لا تعتمد على الحس (الفلسفة العقلانية) و معرفة لحقية تعتمد على الحس (الفلسفة الحسية). لكن كانط عنده أيضا المعرفة التحليلة analytic التى تحتوى مقدماتها على نتائجها او يكون فيها الخبر predicate محتوى فى المبدأ subject. مثلا كل العزاب متزوجون و كل المثلثات تحتوى على ثلاثة اضلاع. وهناك ايضا المعرفة التركيبية التى يكون الخبر فيها غير محتوى فى المبتدأ. مثلا كل الاجسام ممتدة.
اذن الفضاء هو تمثيل غير حسى مفرد و مباشر للفضاء اى فطرة سبقية. السؤال التالى الذى يجيب عليه كانط فى العرض المتسامى هو كيف يمكن الحصول اصلا على تمثيل غير حسى مفرد و مباشر للفضاء? و هذه المسألة هى نفسها مسألة فلسفة الرياضيات: كيف نحصل على المعرفة السبقية التركيبية فى الهندسة?
احدى نتائج كانط الاخرى هنا انه لا يمكننا ان نتكلم عن الفضاء الا من وجهة النظر الانسانية و ان الفضاء هو متسامى مثاليا..
اذن الصراع حول الفضاء و الزمن بالنسبة لنويتن و ليبنيز هو صراع حول هل الفضاء مطلق (نيوتن) ام هل هو علائقى (ليبنيز)..
اما الصراع بين ليبنيز و نيوتن من جهة و كانط من جهة اخرى فهو هل الفضاء واقعى (نيوتن و ليبنيز) ام هل هو مثالى (كانط)...
اذن هذا الصراع الثانى هو بخصوص هل الفضاء-زمن موجود فى الواقع ام فى الذهن اما الصراع الاول فهو بخصوص هل الفضاء-زمن موجود فى نفسه ام بالنسبة للاشياء...
اذن يمكن ان يكون لنا اربعة مواقف مختلفة الواقعية العلائقية, الواقعية المطلقة, المثالية العلائقية و المثالية المطلقة. وهى ملخصة فى الصورة.
كانط القديم (1755) كان يقول بالواقعية العلائقية مثل مذهب العلائقية الحديثة..اذن الفضاء هو نظام العلاقات الممكنة و الحقيقية بين الاشياء الممكنة و الحقيقية. وان هذه العلاقات واقعية. لبنيز كان مختلف قليلا فهو كان مثالى فى العلاقات relations التى هى بالنسبة اليه لا جواهر substances و لا اعراض properties اذن هى غير موجودة الا فى الذهن..
كانط المتوسط (1770) كان يقول بالمثالية المطلقية..اى الفضاء لا يتعلق بالاشياء و العلاقات لكنه يتعلق بالعقل.
اذن بالنسبة لليبنيز و نيوتن فان الفضاء-زمن موجود بشكل مستقل عن العقل و بالتالى فهو واقعى حسب كانط..وفى هذا الاطار فان قضية المطلقية و العلائقية اى قضية هل الفضاء قائم بذاته subsisting او انه قائم بالاشياء و العلاقات inhering هى قضية ثانوية...اذن وجود الفضاء بالنسبة لليبنيز و نويتن هو وجود متسامى واقعيا..
اما كانط النقدى (1787) فهو يقول ان وجود الفضاء-زمن هو وجود متسامى مثاليا و ليس متسامى عقليا اى بكل بساطة يتعلق على العقل...
لكن ماهو التسامى الواقعى بالضبط?
الفضاء اذن حسب ليبنيز لكن كما يفهمه كانط هو نظام معين فى مجتمع الجواهر اما الزمن فهو التوالى الديناميكى لحالات الجواهر...اذن الفضاء لا يتعلق بالعقل لأنه اما كائن مستقل (نويتن) او لانه يتبع supervene نظام الجواهر (ليبنيز)..
التسامى الواقعى بالنسبة للمطلقيين اتباع نيوتن يعنى ان الفضاء قائم بذاته subsist on its own بغض النظر عن الاشياء اما التسامى الواقعى بالنسبة للعلائقيين اتباع ليبنيز فان الفضاء قائم بالاشياء inhere in the objects و علاقاتها. و كلا الفهمين ينص على ان الفضاء-زمن مستقل عن العقل و منها تأتى الواقعية.
هذا هو التسامى الواقعى..وهو يعنى بالخصوص بالنسبة لليبنيز أننا نبدأ بتمثيل حسى للفضاء, ثم نقوم بنزع العناصر المخلوطة فى هذا التمثيل, للحصول على فكرة صافية و مميزة للفضاء, اى المفهوم الرياضى المجرد. اذن بالنسبة لليبنيز فانه ليس لدينا تمثيل سبقى مباشر و مفرد للفضاء.
السبب وراء هذا حسب كانط هو ان ليبنيز يخلط بين الفطرة و الشعور فهى نفس الشيء بالنسبة له.
اما نقد كانط لنيوتن فهو يعتمد على الملاحظة انه بالنسبة لنيوتن فان الفضاء و الزمن هما جوهران فعليا لانهما مستقلان عن كل الجواهر و عن كل الاعراض و عن كل العلاقات و ايضا عن العقل و ايضا عن السببية. وهما ايضا غير قابلان للادراك و لا نهائيان و كل واحدة من هذه تؤدى الى مشاكل ميتافيزيقية.
هنا نلاحظ ايضا ان كانط يعتقد ان التسامى الواقعى لليبنيز هو مكافئ للحسية المثالية لان وجود نظام الجواهر هو وجود متسامى واقعيا اى لا يتعلق بالعقل اما العلاقات و الظواهر فوجودها وجود متسامى مثاليا.
لكن ماهو التسامى المثالى بالضبط?
وهذا هو موقف كانط و هو اعقد بكثير من التسامى الواقعى..
يمكن شرح التسامى المثالى بخصوص الفضاء-زمن بمقارنته كما فعل كانط نفسه بمثالية بركلى الدوغماتية التى تنص انه لا يوجد شيء او صفات لا تتعلق بالعقل...
اذن الفضاء و الزمن و كل ما يحتويانه ليست أشياء و ليست صفات أشياء اى ان الفضاء-زمن ليس جوهر و ليس عرض لكن الفضاء و الزمن و كل ما يحتويانه ينتموا فقط الى مظاهر هاته الأشياء. اى كيف تظهر الاشياء-فى-ذاتها للعقل من شروط تمثيلها فى العقل نجد اولا الفضاء-زمن...
هذا هو موقف كل المثاليين و منهم بركلى و كانط..
لكن بركلى يعتقد ان تمثيل الفضاء-زمن فى العقل هو حسى اما كانط فهو يعتقد ان ذلك التمثيل فطرى سبقى. اذن الفضاء-زمن قائم inhere بالعقل قبل اى تجربة او ادراك كشكل محض للاحساسية.
اذن التسامى المثالى هو مثالى لانه يتعلق بالعقل و هو تسامى لانه لا يتعلق بالحس. بعبارة اخرى التسامى هو ليس لان الفضاء-زمن لا يتعلق بالعقل بل لانه لا يتعلق بالعقل غير الفطرى (اى الحسى و المفهوم) ولكن يتعلق بالفطرة المحضة.
اذن الحجتان الاولى و الثانية فى العرض الميتافيزقيى تميز بين كانط و بركلى فى ان مثالية الاولى هى متسامية (تمثيل الفضاء غير حسى) اما مثالية الثانى فهى دوغماتية (تمثيل الفضاء حسى)..
اما الحجتان الثالثة و الرابعة فهى تميز بين مثالية كانط المتسامية (تمثيل الفضاء فطرة محضة) و مثالية ليبنيز الحسية (تمثيل الفضاء مفهوم).
الاجزاء الاولى من هذه المراجعة
http://badisydri.blogspot.com/2018/04/blog-post_5.html
المراجع
Janiak, Andrew, "Kant's Views on Space and Time", The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2016 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/…/win2016/entries/kant-spacetime/>.
Kant on time, Diana Mertz Hsieh (diana@dianahsieh.com)
Kant (Phil 5010, Hanna), 28 September 2004.mh
https://www.iep.utm.edu/kantmeta/
Rohlf, Michael, "Immanuel Kant", The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Spring 2016 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/spr2016/entries/kant/>.
Shabel, Lisa, "Kant's Philosophy of Mathematics", The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Spring 2016 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/…/spr2…/entries/kant-mathematics/>.


No comments:
Post a Comment