بعد ان قتل قابيل هابيل من اجل امرأة انقطع نسل هابيل و لم تبقى الا ذرية قابيل فى الارض مع شيث بن آدم و بنيه.
فاول شر فى الارض هو اعلى مراتب الشر الا و هو القتل و سببه سريرة ظلامية و حسد و بغض و دعواه امرأة.
لكن ابناء قابيل لم يعمروا الارض بل دمروها و خربوها و ملؤوها بالفساد و الشر و القتل و الاغتصاب و الكفر و المرض و الفقر.
فاصبحت الارض قاحلة جدباء يكاد ينقرض نباتها و حيوانها من شدة قهر الانسان لها و اصبح العرف السائد بين بنى البشر هو حكم القوى على الضعيف و حكم الغنى على الفقير و حكم الصحيح على المريض و حكم العالم على الجاهل و حكم الجميع على الفرد وحكم الشهوة على العقل حتى ان الحضارة اصبحت همجية رغم كثرة المدنية و العمران و هيمن على بنى قابيل ابن آدم الفساد و القتل و الكفر حتى انك لا تجد بينهم من يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر.
فى هذه الارض العدمية و بين هذا الانسان الشرير عاش نوح عليه السلام معزولا حتى جاءته الرؤيا بأن الخالق سيهلك الانسان القابيلى بالطوفان و انه لا مهرب لهم منه لا لكبيرهم و لا لصغيرهم لا لقويهم و لا لضعيفهم لا لمجرمهم و لا لبريئهم.
فليس هناك مهرب للانسان القابيلى من هذا المصير الطوفانى و كما قال العربى القديم الاجداد يأكلون الحصرم و الابناء يضرسون.
وأُمر نوح ببناء الفلك و اعانه فى ذلك من سكان الارض الملائكة من اخلاء آدم عليه السلام فى الجنة الذين سقطوا الى الارض مع آدم من دون اذن الخالق لهم فعاقبهم الله سبحانه و تعالى بأن تحجروا و تكلس نورهم فى الارض و بالارض.
لكن ابناء قابيل و ملكهم سمعوا بذلك و عرفوا المقصود من ذلك وقال ملكهم لنوح عليه السلام -حسدا من نفسه و كفرا من عنده- كيف يكلمك الله و يوحى اليك و ينقذك و لا يكلمنا و لا يستجيب لدعاءنا رغم الحاحنا فى الدعاء له و اليه ليل نهار منذ عهد ابانا قابيل الى يومنا هذا.
وذلك الملك لم يعى ان كثرة الدعاء لا تغنى عن الكفر و الشر شيئا بل ان كثرة الدعاء مع عدم استجابة الله له لا يمكن ان تعنى الا شيئا واحدا هو غلبة الكفر و الشر الذى طغى و هيمن على قلوب البشر.
فكيف يستجيب الله للكفار و الاشرار و القتلة و المغتصبون و المفسدون فى الارض.
بل كيف يستجيب الله لمن كانت سريرته فاسدة و نيته افسد و اولهم قابيل الذى كان اول من صنع الشر فى الارض و لم يتب منه مثلما ان ابليس كان اول من صنع الشر فى السماء و لم يتب منه.
فاعلى درجات الشر هو الكفر و اول بوادر الكفر هو لوم الانسان للخالق سبحانه و تعالى على احواله و افعاله رغم ان الانسان حر و اعلى درجات حريته تكمن فى خلق و ايجاد الشر.
فلا يجب ان يلوم الانسان الا نفسه و لا يلومن الانسان الا نفسه. و المؤمن لا يلوم فعلا الا نفسه اما الكافر فتجده يتعدى حدوده و يتعدى مقام الله سبحانه و تعالى و يدعى الجبر او عدم الحرية او تخلى الله سبحانه و تعالى عنه وعدم استجابته لدعائه مثلما يفعل هذا الملك وهذا كما فعل اباه قابيل من قبله.
كل هذا فهمه نوح عليه السلام ابن شيث فهو اول الرسل من اولى العزم و لم يفهمه الملك ابن قابيل لانه يمثل اباه قابيل فقد كان قاسى القلب لا يرى الا نفسه مظلوما ثم يلوم الله سبحانه و تعالى على عدم استجابته لدعائه الملح.
اذن كانت مهمة نوح عليه السلام هو النجاة باهله و ابناءه سام و حام و يافث من قابيل و بنيه و من الشر و من الطوفان فالطوفان رآه نوح بنور نبوته (بداية كل شيء) و لذا فان مهمة بناء الفلك وعدم انقاذ بنى قابيل و تركهم و شرهم للهلاك فى الماء مهمة لا يستطيع ان يؤديها الا نبى من اولى العزم.
و لهذا لم يضعف نوح ابدا فى مهمته لكن اولاده و بخاصة زوجته ضعفوا و قصروا مرات كثيرة لكن نوح كان لهم دائما بالمرصاد يرجعهم الى جادة الصواب. فالأمر ليس هينا ان ترى ذلك الطوفان العظيم و ترى من تعتقد فيهم البراءة يهلكون فيه. لكن الانسان كان قد بلغ مرتبة من الفساد و الكفر و الشر لم يبقى فيها هناك فيها انسان برىء.
فالارض كانت تحتاج الى الطوفان حتى تبدأ من جديد.
والانسان الآدمى من ولد شيث كان يحتاج الى الطوفان حتى يبدأ صفحة جديدة.
فقابيل بدأها بالقتل و القتل هو اعلى درجات الشر بعد كفر العناد بالله سبحانه و تعالى.
لكن صراع نوح الوجودى مع نفسه و فهمه الخاص للوحى الالهى جعله يقتنع ان الانسان بفرعيه (الفرع القابيلى الاميل للشر و الفرع الشيثى الاميل للخير) ليس فيه اى امل لا للارض و لا للانسان نفسه و ان مصير اولاده كان ايضا هو الانقراض بعد الطوفان فكان يقول لاصغرابناءه يافث (أنت ستكون آخر رجل فى الارض).
لكن الذى حدث ان زوجة سام وهى كانت عاقرا قبل الطوفان حبلت فى الفلك فاختلت خطة نوح عليه السلام وقال لاهله اذا كان المولود ذكر (فهو سيكون آخر رجل فى الارض) لكن اذا كان المولود انثى (فانه يجب على ان اتخلص منها) فنوح من اولى العزم و عليه اتمام مهمته التى اصبحت تتمثل فى انقراض الجنس البشرى و تخليص الارض من الشر.
وانجاب الانثى لا يمكن ان يكون نهاية فالانثى مثل الارض يمكنها ان تخضر و تخلف.
و ايضا فان آخر الانسان فى الارض يجب ان يكون رجلا و ليس امرأة مثلما ان اول الانسان فى السماء كان رجلا ليس امرأة.
و امر آخر اعظم و اجل هو حتمية اتمام مهمة و رسالة نوح التى تتمثل حسب نوح فى هذه المرحلة من تطور فهمه للوحى الالهى فى ضرورة ان (الانسان يجب ان ينقرض من على ظهر الارض) حتى (ينقرض الشر و تتعافى الارض كما خلقها الله اول مرة).
و تزداد درامية الاحداث فزيدت زوجة سام لكنها انجبت (اثنتان من البنات) و ليس (بنتا واحدة) وهذا اسوء بكثير مما توقع نوح عليه السلام.
ماذا سيصنع نوح يا ترى بعد هذا.
هذه القصة هى قصة الفيلم الامريكى (نوح) من انتاج الناتفليكس عام 2013 ومن اراد معرفة النهاية فعليه الفرجة.
القصة حسب ما يقال استمدها المؤلف من (كتاب ادريس) وهو الكتاب التوراتى الوحيد الذى لا يعتد به اليهود وهذا يجعلنى ارتاح اليه اكثر بكثير من جميع الاسرائيليات.
كما ترون فان هذه القصة فى الفيلم تحتوى على رسائل بيئية كثيرة.
لكن الرسالة التى فهمتها شخصيا هى رسالة وجودية بامتياز.
فالطوفان كان عقابا لبنى قابيل ابن آدم على طغيان الشر بينهم و هيمنة الكفر عليهم و كل رسالة نوح عليه السلام -ونوح فى القصة هو آخر احفاد شيث ابن آدم- هى فى انقاذ اسرته و اولاده سام و حام و يافث من العقاب و الطوفان واستمرار البشرية من ذريتهم بعد الطوفان.
لكن نوح عليه السلام وصل بعد صراع نفسى طويل الى الاقتناع ان الأرض يجب ان ترجع الى صفائها و نقائها و انه لا سبيل الى ذلك الا فى انقراض جميع البشرية من ابناء قابيل و ابناء شيث على قدر سواء من على وجه الارض و ان هذا هو العدل الالهى الوحيد.
وبالمناسبة فان الفيلم من بطولة الممثل القدير راسل كرو و الممثلة القديرة جنيفر كونولى مع ممثلين شباب ممتازين آخرين. اذن انصح بالمشاهدة فهذا واحد من الافلام التى يتعلم فيها الانسان اشياءا جديدة لم يفكر فيها من قبل.
No comments:
Post a Comment