Friday, September 15, 2023

الغزالى الصادق العبقرى و التصوف الجديد

 من اصدق المفكرين المسلمين الذين مروا عبر تاريخ الاسلام يبقى حجة الاسلام ابى حامد الغزالى.

و ذروة صدقه هى استقالته الايمانية-و-الفكرية التى ينتقده عليها الجميع.
بالنسبة لى هذه الاستقالة هى ذروة عبقرية الغزالى و ليس كما يعتقد السطحيون انها ذروة عجزه و هم العاجزون.
ففعلا لا يمكن البرهان على الحقائق الدينية بالعقل.
و لا يمكن الاكتفاء بالنقل كبرهان لانه هو نفسه يحتاج الى برهان العقل الذى اصبح غير متوفر.
العقل ليس حاسم و النقل يعتمد على العقل اذن هو ليس حاسم.
و من يعرف قليلا من الرياضيات و يعرف قليلا من المنطق الحديث و يعرف قليلا من الفيزياء النظرية فانه سيعرف فعلا ماذا نعنى بالبرهان و كيف يجب ان يكون البرهان و ما علاقة البرهان بالمبرهن عليه و ماهو الدور الذى يؤديه المبرهن فى البرهان.
من له ادنى خبرة بالفيزياء النظرية و الرياضيات فانه سيعرف بدون ادنى شك انه ليس لدينا أية براهين فى الميتافيزيقا فى مستوى قوة البراهين الهندسية و الحسابية.
وحتى البراهين التحليلية التى تفخر بها الفلسفة فانها لا يمكن ان ترقى الى مستوى البراهين الهندسية و دليل ذلك هذا الخلاف الشديد الذى نراه فى كل مسألة فلسفية يمكن ان تخطر على بالنا.
لذا توجه الغزالى الى التصوف و ابتدأ هذه الظاهرة فى الاسلام وهذا هو الذى سماه منتقدوه بالاستقالة الفكرية. و كأن التصوف هو انعدام التفكير رغم ان اعظم مفكرى الاسلام اصالة و ابداعا هم متصوفة و على رأسهم ابن عربى و الملا صدرا.
الغزالى لم يستقل فكريا بل الغزالى استقال كلاميا و فلسفيا-دينيا. وهذا فرق كبير.
وتوجه بعده اهل السنة الى التصوف و بلغ التصوف ذروته عند ابن عربى الذى بالغ فى فلسفة التصوف حتى اصبحت معرفة غمائضية لا يدرك كنهها الا القليل -ربما-.
ثم جاء آخرون وقالوا لقد توفى الغزالى و على صدره صحيح البخارى و هم بذلك يلوحون بأن الغزالى قد كان سيتحول الى مذهب اهل الحديث لو لم يمت.
و عالم و علم "لو" لا يمكن ان تنتهى ترهاته لو سمحنا لانفسنا بفتح ابوابهما.
البخارى هو سيد اهل السنة و صحيحه هو اصح كتاب كتبه انسان -وليس هو اصح كتاب بعد القرآن لانه لا مجال للمقارنة بين كلام الله و كلام الانسان حتى لو كان هذا الانسان البخارى-.
اذن كون الغزالى توفى و كتاب البخارى على صدره لا يعنى شيئا.
و رأى الغزالى فى الحنابلة و اهل الحديث من المتسلفين معروف.
ثم هل من المعقول ان من يستقيل فكريا من الكلام و فلسفة الدين لا يستقيل فكريا من فكر التسلف.
يا هل ترى من هو الاكثر تهافتا -حسب الغزالى و هو ايضا رأيى- الفلسفة بكل عظمائها العباقرة ام التسلف بكل مخرفيه السفهاء.
الحقيقة هو انه يجب ان نرجع الى الغزالى و عوض ان نغوص فى فلسفة الله و الوجود و نوغل فيها كما فعل ابن عربى علينا ان نوغل فى فلسفة النفس و الوجود و نوغل فيها مثلما فعلت فلسفة الوجودية و على رأسها دويستفسكى و نيتشة و فعل علم النفس الحديث و على رأسه كارل جونغ و ويليام جايمس (و حتى فرويد رغم نزعة هذا الاخير المادية-الميكانيكية التى لا تتزعزع).
علينا ان نقفز مباشرة من الغزالى -الذى ادرك ان الفلسفة الميتافيزيقية لا يمكنها البرهان على شيء- و نهمل ابن عربى رغم عظمته و لو الى حين -و نهمل ايضا حتى لن نضيع وقتنا ابن رشد فى اعتراضاته الجافة و ابن تيمية فى اعتراضاته الهستيرية- و نقفز مباشرة من الغزالى الفذ الى كارل جونغ و مدرسته فى علم النفس الحديث التى تهتم بفلسفة الدين كأحد أهم مقوماتها التى تقوم عليها.
ففلسفة علم النفس على طريقة كارل جونغ ادركت ان الطريق الى العالم الاخرى -الكون اولا ثم الله من وراءه- يجب ان يعبر فيه الوعى عالم اللاوعى النفسى الداخلى.
الطريق الى الخارج ثم الى الله يبدأ من الايغال فى داخل و باطن النفس -وعى ثم لاوعى- ثم الخروج من الجهة الاخرى -وهذا هو ربما ما يسميه المتصوفة الكشف- لانه كما بين الغزالى ليس هناك ارتباط مباشر -ما يسمى البرهان- بين العقل و الخارج كما يصر على ذلك المتعقلة.
هذا هو التصوف الجديد الذى ادعوا اليه.
وهو اكثر تواضعا فكريا-و-روحيا بل هو اكثر واقعية و اكثر منطقية من مقترح علم الكلام الجديد الذى اقترحته منذ سنوات و الذى اقتنعت الآن انه لن يأتى بشيء جديد مفيد يذكر لان المسألة هى ليست مسألة ذات و صفات الهية بل المسألة هى مسألة نفس و وعى انسانى.

No comments:

Post a Comment

AI as the Hardworking and Perfect PhD Student

  Some people seem very defensive, and sometimes openly hostile, about the use of AI in scientific work. Others go even further and become j...