ليبنيز حول معضلة الجسم-و-العقل

لماذا ينكر ليبنيز الذرة او بالاحرى الجسيم الأولى?
وماهو معنى فعلا القول بأن المادة هى ظاهرة اى انها انعكاس فقط للموناد?
واذا كان الجسم هو ظاهرة فقط (تفتقد اى واقعية مثل الحلم المتماسك كما يعبر عن ذلك ليبنيز) فلماذا اذن يعانى ليبنيز كغيره من معضلة الجسم-و-العقل?
واذا كان الجسم ظاهرة فقط فماهو الداعى اذن الى التوازوية و الى التناغم السبقى?
هل ليبنيز ثنائى ام احادى?
ننطلق من المادة و الفكر ونسأل فعلا هل هما فعلا جوهران مختلفان?.
اما المادية فهى القول بأن كل الظواهر العقلية تُختزل الى المادى و الفيزيائى.
و من معاصرى ليبنيز القائلين بهذا الرأى و بقوة الفيلسوف هوبز Hobbes. 
فعند ليبنيز لا يمكن ابدا تفسير الادراك perception و الوعى consciousness تفسيرا ميكانيكيا و بالتالى فهما ليستا بظاهرتين فيزيائيتين كما كان يرمى الي ذلك هوبز.
فالمادية عند ليبنيز لا يمكنها ابدا ان تصف وحدة الأنا التى نجدها فى الوعى و الادراك لأن المادة ليست وحدة فهى تقبل الانقسام عدد لانهائى من المرات.
لكن رغم ان ليبنيز كان يقول ان عالم المادة و عالم الفكر عالمان مختلفان فعلا الا انه كان من اكبر نقاد الثنائية الديكارتية.
ورفض ليبنيز للثنائية الديكارتية قائم على رفضه لوجود جوهر مادى ممتد فى الفضاء. فالجوهر يجب ان يكون واحدا ﻷن الواحد لا يقبل القسمة و الجوهر يجب ان يكون بسيطا لكن المادة ممتدة فضائيا وبالتالى فهى تقبل القسمة و بالتالى فهى لا يمكن ان تكون واحدا اى لا يمكن ان تكون جوهرا.
فالاجسام المادية هى تجمعات و التجمع ليس جوهرا لانه يفتقد الوحدة.
فوجود و حقيقة اى تجمع مشتقة من وجود و حقيقة مكوناته.
فالجسم حتى يتمتع بالواقعية عليه ان يكون مكونا من كائنات واقعية.
فالذرات عند ليبنيز لا تصلح لأن تكون الكائنات الواقعية المكونة للاجسام لانها اجسام ممتدة فضائيا و من ماهية الامتداد القابلية للقسمة.
وايضا فان النقاط الرياضية لا تصلح لانه حتى لو أخذنا عدد لا نهائى من النقاط الرياضية فانه لا يمكننا ان نحصل على الامتداد و بالتالى لا يمكننا ان نحصل على الاجسام المادية الممتدة من تركيب نقاط رياضية.
لم يبقى الا حلا واحدا لليبنيز. فالأجسام مكونة من جواهر بسيطة (اى غير مكونة من اجزاء) غير ممتدة فى الفضاء و غير قابلة للقسمة.
هذه الجواهر حسب ليبنيز هى مثل الروح الذى هو جوهر بسيط غير ممتد فى الفضاء و غير قابل للقسمة.
لكن ليبنيز يضيف و يقول ان هذه الجواهر لا تشكل الجسم كأجزاء له لكن تشكله كعناصره الاولى first elements  او وحداته الاولية primitive unities.
فالأجسام تنجم من هذه الوحدات الأولية. 
فالأجسام هى تجمعات لجواهر التى تظهر لنا كظواهر جسدية ممتدة لكنها ظواهر مؤسسة-جيدا لانها مؤسسة على كائنات حقيقية.
اذن العالم عند ليبنيز يحتوى على نوع واحد من الجوهر. 
لكن هناك  جواهر كثيرة (لا نهائية العدد فى الحقيقة) من هذا النوع.  
هذه الجواهر بسيطة و غير ممتدة بعضها يتميز بالوعى و العقل و الفكر و بعضها يؤسس ظواهرية العالم المادى.
اذن رأى ليبنيز هو نوع من المونيزم monism الفيزيائى. فالعالم يحتوى على نوع واحد من الجوهر  و العقل و الجسم يتشكلان من نفس هذا النوع من الجوهر.
الا انه من الناحية الميتافيزيقية فان ليبنيز يتبنى فى الحقيقة الثنائية اى ان العقل و الجسم  جوهران مختلفان.
التفاعل بين العقل و الجسم عند ليبنيز يعطى بالتوازوية فى صيغة التناغم السبقى.
اولا حسب انعدام السببية بين-الجواهر فانه لا توجد حالة عقلية سببها الحقيقى هو حالة عقل او جسم آخر. و لا حالة جسمية سببها الحقيقى هو حالة عقل او جسم آخر.
ثانيا حسب السببية فى-الجواهر فان كل حالة عقلية سببها الحقيقى حالة عقلية سابقة فى نفس العقل و كل حالة جسمية سببها الحقيقى حالة جسمية سابقة فى نفس الجسم.
وثالثا كل العقول و الاجسام مبرمجة منذ الخلق ان تعمل فى تناغم فيما بينها.
اذن العلاقة السببية بين الجسم و العقل التى تظهر لنا فيزيائيا هى من الناحية الميتافيزيقية علاقة تناغم و انسجام و توافق بين عمل العقل و عمل الجسم من دون اى تفاعل بين العقل و الجسم و بدون تدخل الله. 
اللغة
ومن أهم ملاحظات ليبنيز ايضا ان أهم ما يعكس عمل العقل هو اللغة. يقول مثلا 
اننى فعلا اعتقد ان اللغات هى افضل مرآة للعقل الانسانى و ان دراسة دقيقة لمعنى الكلمات يجب ان تخبرنا اكثر من اى شيء آخر عن عمليات الفهم.
I really believe that languages are the best mirror of the human mind, and that a precise analysis of the signification of words would tell us more than anything else about the operations of the understanding.
لهذا كان يتحدث ليبنيز عن اللغة الكونية universal language التى هى لغة اصطناعية رمزية منطقية.
فعند ليبنيز اللغة الطبيعية رغم امكانياتها الهائلة تحتوى على كثير من المراوغات التى لا تسمح لنا باستعمالها فى الاستدلال. 
فحدود اللغة الطبيعية تعبر عن مفاهيم مركبة مشتقة  تتركب من و تختزل الى مفاهيم أبسط لا تقبل الاختزال اكثر. 
اذن يمكن ان نخصص رموز لهذه المفاهيم البسيطة الأولية يسميها ليبنيز حروف characters. 
و انطلاقا من هذه الحروف الاولية التى تقابل المفاهيم البسيطة الأولية يمكننا ان نشكل حروف اخرى تقابل مفاهيم مركبة مشتقة عن طريق أخذ كل التركيبات combinations الممكنة للرموز. 
مجموع هذه الرموز هو ما يسميه ليبنيز الألفبائية الكونية universal characteristic التى هى لغة كاملة تمثل فيها كل المفاهيم الانسانية بشكل مثالى بحيث تكون حقيقتها البنيوية شفافة تماما.
 بعد تحديد المفاهيم البسيطة الاولية  و ترميزها فى حروف فانه علينا ايضا ان نحدد القواعد المنطقية (التى تعكس قواعد الاستدلال التى يستخدمها الانسان) لمعالجة رموز الالفبائية الكونية لنحصل بذلك على اللغة الكونية.
اللغة الكونية حسب ليبنيز هى لغة تسمح بحساب (وليس الاستدلال والبرهان على) الحقيقة.
اذن اللغة الكونية لليبنيز مثل الأنظمة المنطقية الشكلية تسمح لنا بالتعبير عن الاستدلال الصحيح برموز.
لكن اكثر من هذا فانها تسمح لنا عكس الانظمة المنطقية الشكلية بالتعبير عن محتوى الاستدلال و ليس فقط بنيته الشكلية.
يقول ليبنيز عن اللغة الكونية:
هذه اللغة ستكون اعظم اداة للعقل..فعندما يقع الخلاف بين الاشخاص يمكننا بكل بساطة ان نقول: دعنا نحسب بدون اى تأخير و نرى من هو المحق. 
this language will be the greatest instrument of reason...when there are disputes among persons, we can simply say: Let us calculate, without further ado, and see who is right.
وهذه فى رأيى من اعظم الافكار الفلسفية ابدا.
اذن الاستعراف بالنسبة لليبنيز هو عملية رمزية تقع فى جملة تمثيلات تتمتع ببنية شبه-لغوية.
فكل الاستدلال الانسانى عند ليبنيز يستخدم اشارات و حروف و انه لولا هذه الاشارات و الحروف فانه لا يمكن للعقل ان يفكر فى اى شئ بوضوح و لا الاستدلال حوله.
ضف الى هذا ايضا ان  ليبنيز يعتقد أن التفكير الانسانى يتبع بديهيات المنطق.
وبالتالى فانه حسب ليبنيز فان العقل -على الاقل فى التفكير- هو الغوريتمى ضمنيا.
اذن ليبنيز يبدو هو أب الذكاء الاصطناعى وهو يتفق مع هوبز فى ان كل شيء يقوم به العقل هو حسابى computation.
وهذا يبدو مناقضا لقول ليبنيز الآخر ان الأنا لا يمكن ابدا ان يقع فى الآلات الصناعية.
ماذا يوجد فى العقل?
توجد الادراكات و النزعات.
الادراكات فى تمثيلات المتعدد (العالم) فى الواحد (الأنا).
فالادراك يمثل الواقع مثلما تمثل المعادلة الجبرية شكل هندسى و هذا مثال ليبنيز نفسه.
اما النزعات فهى الميول من ادراك الى ادراك.
اذن  القوة الفطرية  التى هى ماهية الأنا تعبر عن نفسها فى قوى مشتقة لحظية تنطوى على مظهرين الادراك (وهو المظهر التمثيلى حيث يتم التعبير عن العالم فى داخل الجوهر) و النزعة (وهو المظهر الديناميكى اى الميل و السعى و النزوع المستمر نحو ادراكات جديدة).
هذه الادراكات و النزعات فى العقل تقابل بالضبط  افعال الجسم و احداث العالم دون اى علاقة سبقية (التناغم السبقى).
والادراكات و النزعات السابقة هى سبب الادراكات و النزعات اللاحقة.
وهذه الادراكات و النزعات تقابل افعال الجسم. 
فالنزعات هى التى تدفع الجسم نحو الفعل الارادى.
فحسب ليبنيز فان الله لا يفعل الا الافضل أما الانسان فيفعل ما يبدو له الافضل.
ف (الفعل) اذن مرتبط بالنزعات اما (كيف يبدو العالم) فمرتبط بالادراكات.
لكن العقل هو عالم مستقل عن عالم الجسم و لايوجد بينهما الا التناغم الذى خلقه الله عندما خلق الجواهر البسيطة عند بداية خلق هذا العالم الكامل.
والعقل يخضع للسببية النهائية او الغائية لانه يعمل دائما من اجل غايات معينة اما الجسم فيخضع للسبية الفعالة او الميكانيكية لان فعل الجسم ليس الا حركة المادة.
اذن الفعل الارادى الانسانى الذى يظهر كسببية فعالة ميكانيكية فى العالم الظواهرى هو فى الحقيقة  سببية نهائية غائية فى عالم الجواهر حيث ان الافعال الوحيدة التى تقوم بها الجواهر هو تغيير ادراكاتها بشكل مستمر لتحقيق المفهوم التام. 
اذن النزعات ليست فعلا ميل يقابل الفعل الارادى اى سبب فعال (ولو ان هذا صحيح فى العالم الظواهرى) لكنه ميل نابع من الادراكات الحاضرة نحو ادراكات جديدة المحتواة فى المفهوم التام (وهذه هى الغائية).
الوعى
والادراك عند ليبنيز ثلاثة مستويات: 
اولا الادراك العارى (بدون تمييز و بدون ذاكرة). وهو الجوهر الفرد  الموناد.
ثانيا الاحساس (تمييز عالى و ذاكرة). وهى الروح.
ثالثا الفكر (تمييز و ذاكرة و استبطان). وهى النفس.
و الادراك فى النفس  يحتوى ايضا عند ليبنيز على نوع من الوعى يسميه الوعى بالاستنباط apperception و هو يعرفها على انها المعرفة الاستبطانية بالحالة الداخلية.
لكن ليس واضحا اذا كان ليبنيز كان يعتقد ان الحيوان يتميز بوعى او ان الحيوان كما كان يقول ديكارت هو فقط اوتوماتيكى مادى material automata. 
ايضا الادراك  يحتوى عند ليبنيز على نوع من اللاوعى unconsciousness يسميه الادراكات الصغيرة petites perceptions وهو من اول القائلين باللاوعى فى التاريخ لم يسبقه فى ذلك الا الاكوينى Aquinas.

Look, Brandon C., "Gottfried Wilhelm Leibniz", The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Summer 2017 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/sum2017/entries/leibniz/>. 

Kulstad, Mark and Carlin, Laurence, "Leibniz's Philosophy of Mind", The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2013 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/win2013/entries/leibniz-mind/>.  

https://www.iep.utm.edu/leib-met/#SH9c

Comments