الجوهر عند ليبنيز

الجوهر عند ليبنيز

اعتبر مفهوم الجوهر احد المفاتيح الأساسية للفلسفة الصحيحة.
ليبنيز
اذن بالنسبة لليبنيز كل شيء موجود مركب من جواهر بسيطة أى ان كل شيء موجود يختزل الى و مؤسس على  الجواهر البسيطة.
اذن هذه هى فكرة ارسطو. 
لكن ارسطو كان يعرف الجوهر على أنه هو كل شيء يمكن ان يكون موضوع الاخبار او الاسناد و لا يمكن ان يكون خبرا او سندا لشيء آخر. 
لكن ليبنيز ينطلق فى تعريف الجوهر من مبدأ الخبر-فى-المبتدأ predicate-in-notion الذى ينص على انه فى اى قضية صحيحة فان مفهوم الخبر (اى ما تريد ان تسنده القضية الى الموضوع) محتوى فى المبتدأ (وهو موضوع القضية).
اذن الجوهر عند ليبنيز هو كائن كامل يتميز بمفهوم تام يكفى لاحتواء و ايضا يسمح لنا باستنتاج كل الاخبار او الاسنادات predicates المرفقة بموضوع المفهوم. اذن المفهوم التام complete concept يحتوى على كل حكم صحيح يمكن ان يُقال حول هذا الجوهر. والشئ الموجود هو جوهر اذا و فقط اذا كان يتميز بمفهوم تام يحدد كل حالاته (ما يمكن ان يسند اليه او يخبر عنه) فى الماضى و الحاضر و المستقبل.
اذن حسب ليبنيز  المفهوم التام هو ماهية الجوهر كما يراه الله سبحانه و تعالى.
مثال مفهوم (الاسكندر الاكبر) يحتوى على (الملك) على (تلميذ ارسطو) على (غزو الهند) ووو. اذن المفهوم التام (الاسكندر الاكبر) يسمح لنا بانتقاء الاسكندر الاكبر المعروف لنا فى التاريخ من عدد لانهائى من الجواهر الاخرى المنتهية التى تشبه الاسكندر الاكبر فى اخبار و تختلف معه و لو فى خبر واحد.
ويذهب ليبنيز ابعد من هذا بما يسمى مذهب العلامات و الاثار doctrine of marks and traces و يقول ان مفهوم (الاسكندر الاكبر) هو مفهوم تام الى الحد ان كل شيء حدث و يحدث و سيحدث للاسكندر يمكن ان يستنتج من هذا المفهوم و اكثر من ذلك فان هذا المفهوم لتمامه يحتوى على علامات و اثار على كل شيء حدث و يحدث و سيحدث للعالم  و لو أن ذلك لا يمكن ان يقرأه الا الله سبحانه و تعالى وهذا لأن كل شيء مرتبط بكل شيء آخر.
اذن الجوهر بالنسبة لليبنيز هو عالم تام يعكس العالم ككل و يعبر عنه بطريقته الخاصة. بعبارة اخرى الجوهر هو مرآة عاكسة للعالم.

بعض الخواص الاخرى (ستة خواص) للجوهر عند ليبنيز هى كالآتى:

-اولا لا يمكن لجوهرين متشابهين فى كل شيء ان يكونا متمايزين. وهذا هو مبدأ تطابق اللامتمايزات identity of indiscernibles. هذه الخاصية تعنى بشكل آخر ان كل مفهوم تام يقابل جوهر واحد فى العالم و انه اذا كان المفهومان التامان لجوهرين متساويان فان الجوهرين متطابقين ضرورة و انه اذا كان المفهومان المرفقان بجوهرين لا يسمحان لنا بالتمييز بين الجوهرين فهما اذن مفهومان غير تامان.

-ثانيا الجوهر عند ليبنيز لا يمكن ان يخلق الا عند خلق الله للعالم و لا يمكن ان يفنى الا عند افناء الله للعالم. اذن عدد الجواهر فى العالم لا يزيد و لا ينقص.

-ثالثا الجوهر لا يمكن ان ينقسم الى جوهرين و لا يمكن تركيب جوهر من جوهرين.

-رابعا الجواهر لا تتفاعل سببيا بين بعضها البعض وهذه شرحناها باستفاضة المرة السابقة.

-خامسا الجوهر عند ليبنيز هو كائن واحد. 

اذن بالنسبة لليبنيز الجوهر يجب ان يكون ضرورة واحدا. حيث يقول ليبنيز مقولته الشهيرة:
باختصار لدينا القضية المتطابقة التى لا يقع فيها التمييز الا بالنبرة و التى اعتبرها بديهية (من ليس حقيقة موجودا واحدا فهو ليس حقيقة موجودا واحدا). 
To put it briefly, I hold this identical proposition, differentiated only by the emphasis, to be an axiom, namely, that what is not truly one being is not truly one being either.
 والذى يضمن وحدة الجوهر عند ليبنيز هو النفس اى نفس الجوهر. فالنموذج الذى يعتبره ليبنيز للجوهر هو النفس او الأنا الذى هو عنده كائن واحد غير مادى متابع فى ذلك لديكارت و للقديس اوغستين.
اذن بالنسبة لليبنيز الجوهر هو كائن له نفس (ليبنيز الشاب) او ان الجواهر (ليبنيز الشيخ) هى فقط النفوس و شبه-النفوس التى يسميها مونادات (جمع موناد monad). 
ولأن الجوهر يتميز بوحدة لا تسمح له بالانقسام فان الاجسام المادية التى اساسها الامتداد الفضائى لا يمكن ان تكون جواهر حسب ليبنيز عكس ديكارت. اذن الجواهر يجب ان تكون بسيطة اى تتمتع بوحدة و بالتالى لا تقبل الانقسام.
اذن اذا كانت الاشياء لا تتميز بحياة -اى تتمتع بأنفس-فهى لا يمكن ان تكون جواهر لانها لا يمكن ان تتمتع بالوحدة و فى هذه الحالة فهى فقط ظواهر. هذا هو المصطلح الليبنيزى و هو اساس المصطلح الكانطى فى أن عالم الاشياء-فى-ذاتها (ما يسميه ليبنيز عالم الجواهر) يقف فى مقابل و هو اساس عالم الظواهر (وهو ايضا يسميه ليبنيز عالم الظواهر اى عالم المادة).
اذن الجواهر بالنسبة لليبنيز هى فقط الكائنات التامة الحقيقية و كل شيء آخر هو ظواهر (المادة و الاجسام) او تجريد (الرياضيات) او علاقات (الفضاء-زمن و السببية).
هنا يقارن ليبنيز بين وحدة الجواهر الفردة (الوحدة الحقيقية) و وحدة الاجسام المادية (الوحدة الظواهرية) بضرب مثال قوس قزح. فنحن نمثل قوس قزح على انه شيء واحد رغم انه ناجم عن انكسار الضوء عبر عدد هائل من قطرات الماء. بنفس الطريقة فان الاجسام المادية تنجم عن عدد هائل من الجواهر البسيطة. ولهذا يسمى ليبنيز المادة ظاهرة مؤسسة-جيدا well-founded phenomena لأنها مؤسسة على الجواهر البسيطة الحقيقية.
اذن واقعية الجوهر راجعة بالضبط الى وحدته وهذه الوحدة راجعة بالضبط الى كونه شبه-نفس. يقول ليبنيز:
شيء يفتقد الامتداد ضرورى من اجل جوهر الاجسام و الا لن يكون هناك اى منبع لحقيقة الظواهر او الوحدة الصحيحة..لكن لأن الذرات مقصاة لن يبقى لنا الا شيء يفتقد الامتداد يشبه النفس الذى سمى من قبل الصورة او النوع.
Something lacking extension is required for the substance of bodies, otherwise there would be no source for the reality of phenomena or for true unity… But since atoms are excluded, what remains is something lacking extension, analogous to the soul, which they once called form or species
فليبنيز يرفض الذرة لانها حسب رأيه تكسر مبدأ تطابق اللامتمايزات اى امكانية وجود ذرتين متشابهتين فى كل شيء لكنهما متمايزتان (هذا ليس صحيح بالنسبة للذرات لكن صحيح بالنسبة للجسيمات الاولية). اذن لم يبقى امامه الا النفس لتأسيس ظاهرة المادة.
-سادسا الجوهر عند ليبنيز هو كائن فعال لانه نفس و اذن فهو يتميز بتمثيلات او ادراكات perceptions و بميول او نزعات appetitions.
الجوهر او النفس يتميز اذن بقوة فطرية فعالة primitive active force التى هى القانون الكامن الذى خلقه الله عندما خلق الجوهر.
ولان الجوهر هو نفس فان حالاته هى ادراكات و فعل الجوهر يكمن فى تغيير هذه الادراكات المبرجمة من قبل الله فى المفهوم التام  و القوة الفعالة داخل الجوهر هى النزعة الداخلية فى الجوهر فى تغيير هذه الادراكات بشكل مستمر و اكثر من هذا فان هذه الادراكات تعمل بشكل متناغم خلقه ايضا الله مع ادراكات بقية الجواهر فى العالم.
يقول ليبنيز:
 اعتقد انه  من الواضح ان القوى الفطرية لا يمكن ان تكون الا الميول الداخلية للجواهر البسيطة هذه الميول التى تسمح لهم بالانتقال من ادراك الى ادراك حسب قانون تمليه عليهم طبيعتهم و فى نفس الوقت تحقيق التناغم فيما بينهم ممثلين نفس ظواهر العالم بطرق مختلفة الشيء الذى ينبع ضرورة من علة مشتركة.
I think that it is obvious that primitive forces can be nothing but the internal strivings of simple substances, strivings by means of which they pass from perception to perception in accordance with a certain law of their nature, and at the same time harmonize with one another, representing the same phenomena of the universe in different ways, something that must necessarily arise from a common cause.
اذن ليبنيز هو مثالى لأن المادة و الاجسام و الحركة يجب ان تختزل فى الاخير الى الجواهر البسيطة التى سماها مونادات. فالمادة عندة ظاهرة مؤسسة-جيدا و ليست حقيقية.
فحسب ليبنيز هناك:
اولا النفس soul او الاستنجاز الأولى  primitive entelechy   (الصورة).
ثانيا المادة الأولية primary matter وهى القوة الفطرية الخاملة primitive passive power  (الهيولى).
ثالثا الجوهر او الموناد و هو مشكل من النفس و المادة الاولية. 
رابعا الكتلة او المادة الثانوية secondary matter و هى المادة التى نعرفها و هى مشكلة من عدد لا نهائى من المونادات.
خامسا الحيوان وهو الجوهر الجسدى corporeal substance الذى يشكله الموناد المهيمن فى قالب آلة واحدة. اذن هناك موناد مهيمن على بقية المونادات التى تشكل الجسد العضوى لذلك الحيوان.
لكن عند ليبنيز حتى  المونادات غير المهيمنة المشكلة للجوهر الجسدى هى الاخرى لكل واحد فيها آلة عضوية مرفقة بها و هكذا نواصل الى مالانهاية فى الصغر.
اذن كما يقول ليبيز كل الطبيعة مملوءة بالحياة. 
ولهذا فان ليبنيز بالاضافة الى كونه مثالى فهو على مذهب عمومية-العضوى panorganicist وهى القول بأن الكون مملوء بالحياة والتى هى فرع على مذهب عمومية-العقل panpsychism الذى ينص على ان الكون مملوء بالعقل.

Comments