الثنائية الديكارتية


اول من قدم وصف منهجى للعلاقة بين العقل و الجسم هو الفيلسوف العقلانى الأول فى هذا العصر -الذى ابتدأت على يده الفلسفة الحديثة- ديكارت.
فالبنسبة لديكارت فان الجسم جوهر مختلف عن العقل. ولهذا فان رأيه يسمى الثنائية الديكارتية Cartesian dualism. ولأن الثنائية هى فى الجوهر فان الثنائية الديكارتية هى ثنائية جواهر dualism of substances.
فكما سنرى هناك انواع مختلفة من الثنائيات اشهرها ليبنيز التى هى ثنائية صفة dualism of properties.
واذكركم ان الجوهر substance بالنسبة لديكارت و لليبنيز و للاغلبية الساحقة من الفلاسفة يتميز بصفات properties لكن الجوهر هو اكثر من مجموع صفاته. و الصفة هى ميزة دائمة عكس العرض accident الذى هو ميزة انتقالية.
اذن الجوهر هو شيء مختلف عن الحوادث events وعن الاشياء المجردة مثل الاعداد و المجموعات و غيرها من المفاهيم الرياضية.
لكن وصف العلاقة بين العقل و الجسم لا يمر فقط عبر الثنائيات لكن اهم منها فى هذا العصر الاحاديات.
اذن هناك احاديات monism اشهرها المادية materialism و هى تضم كل الاوصاف الحديثة للعقل و هناك ايضا المثالية idealism أشهرها بركلى و كانط و هيغل و هناك ايضا احاديات محايدة neutral monism لا هى مادية و لا هى مثالية أشهرها سبينوزا.
شخصيا -وهذا رأيى- اعتقد ان الوصف العلمى الصحيح للعلاقة بين العقل و الجسم هو ثنائية معطاة بدور الوعى فى عملية الرصد الكمومى -وهو الدور غير القابل للاختزال لما تسميه الفيزياء التطور الاحادى- (أو ما يسمى معضلة الرصد الكمومى).
وهذا الرأى سميته (فى بحث لم يظهر بعد لكثرة المشاغل) الجسمانية الكمومية quantum physicalism. وهذه نقطة اخرى نتكلم عنها فى فرصة اخرى ان شاء الله.
نقطة هذا المنشور هو ثنائية الجواهر لديكارت وهى اول النظريات على الاطلاق.
اذن ينطلق ديكارت من الجوهر. و الجوهر له صفات يسميها ديكارت ميزات attributes و لكن الجوهر عند ديكارت له ايضا انماط modes.
مثال نأخذ جوهر مادى. اهم ميزة او صفة للجوهر المادى على الاطلاق هو الامتداد الفضائى spatial extension. اما هيئة shape و حجم size و موضع location و وزن weight و ملمس texture الجوهر المادى فهى انماط له اى هى الطرق المختلفة لامتداده فى الفضاء.
مثال آخر نأخذ جوهر عقلى. أهم ميزة او صفة للجوهر العقلى على الاطلاق هو الفكر thought. أما التصور و العواطف و الاعتقادات و الرغبات فهى انماط للجوهر العقلى اى الاشكال المختلفة للفكر.
اما من الناحية الابيستيمولوجية فان الجوهر المادى هو جوهر عام public اما الجوهر العقلى فهو جوهر خاص private.
لكن الجسم (الجوهر المادى) يؤثر على العقل (الجوهر العقلى) لان العقل يستقبل اشارات من الجسم.
وابضا فان العقل يؤثر على الجسم حيث ان الجسم يتجاوب مع اوامر العقل.
اذن الثنائية الديكارتية تصف بشكل ممتاز الذى نجده فى الفطرة common sense.
فعندما تجلس على مسمار (الجسم) تشعر بالالم (العقل) مما ينجر عنه رغبة فى القيام عن المسمار (العقل) فيقوم الجسم بالوقوف (الجسم).
طريقة التفاعل بين الجسم و العقل المتبادلة هذه التى يقترحها ديكارت تسمى التفاعلية interactionism.
لكن هذه هى بالضبط المعضلة الاساسية التى تواجه الثنائية الديكارتية للجواهر. كيف لجواهر مختلفة جذريا ان تؤثر فى بعضها البعض?
كيف يمكن لعقل غير مادى ان يؤثر فى جسم مادى و العكس خاصة مع المسافة الميتافيزيقية التى وضعها ديكارت بين الجوهر المادى و الجوهر العقلى (وهذا صحيح تماما).
لكن ايضا مع الانغلاق السببى causal closure الموجود فى العلم الحديث عند وصفه للطبيعة (واظن و هذا ايضا رأيى الشخصى ان الميكانيك الكمومى يكسر الانعلاق السببى المادى بادخاله للوعى غير القابل للاختزال للمادة. اذن الميكانيك الكمومى ليس منغلقا سببيا و ايضا المسافة اللانهائية التى كان يفترضها الميكانيك الكلاسيكى بين المادى و العقلى يجعلها الميكانيك الكمومى نهائية).
اذن الثنائية الديكارتية تواجه معضلة اساسية: كيف يمكن للمادى ان يؤثر فى العقلى و العقلى ان يؤثر فى المادى و هما جوهران مختلفان جذريا?
مثلا حسب ديكارت التفاعل السببى بين العقل و الجسم يقع فى الغدة النخامية pineal gland فى المخ.
معضلة الجسم-و-العقل المشهورة تتلخص اذن فى النقاط الثلاثة التالية:
اولا الظواهر العقلية هى ظواهر غير-جسمانية non-physical. اذن هذه هى فرضية الثنائية dualism.
ثانيا الظواهر العقلية يمكن ان تؤثر فى الظواهر الجسمانية. و هذه هى فرضية السببية العقلية mental causation.
ثالثا مجال الظواهر الجسمانية اى المادية هو مجال مغلق سببيا. اى ان الاجسام تؤثر فى الاجسام و ليس هناك اى حاجة لأى شيء من الخارج. هذه هى فرضية الانعلاق السببى causal closure.
معضلة الجسم-و-العقل تنص على ان الفرضيات الثلاثة متناقضة غير منسجمة فيما بينها. هذه المعضلة تلخص فيما يسمى مخطط بيرى Bieri diagram فى الصورة.
الثنائية الديكارتية كما رأينا من الحل الذى يقترحه ديكارت تحل هذه المعضلة بالتخلى عن فرضية الانغلاق السببى (التفاعل يقع فى الغدة النخامية اذن العالم الجسمانى غير مغلق سببيا).
هذا هو ايضا الطريق الى الحل الذى يعطيه الميكانيك الكمومى حسب تفسير فيغنر و فون نيومان الذى اتبناه: العالم الجسمانى المادى غير مغلق سببيا.
الحل الذى يقترحه ليبنيز هو ايضا حل ثنائى (ثنائية الصفة) و هو فى نفس الوقت حل مثالى (الجواهر مثالية) وهو يعطى بنظرية التناغم السبقى التى شرحناها جزئيا فى المنشورين السابقين. اذن العقل و الجسم غير متفاعلين بل هما متناغمين.
الحل الذى يقترحه مالبرانش هو مبدأ المناسبية او مبدأ العادة الذى شرحناه ايضا فى المنشورين السابقين. اذن العقل و الجسم غير متفاعلين لكن هناك مناسبة بينهما.
بالنسبة لأب المثالية بركلى فان الاجسام غير موجودة اصلا و كل ما هو موجود هى العقول و محتوياتها فقط. وان الله هو الذى يخلق محتويات هذه العقول و يخلق السراب الذى هو الاجسام. اذن المعضلة محلولة من الاساس بعد التضحية بالعالم المادى بأكمله.
بالنسبة لسبينوزا فان العقل غير موجود و الجسم غير موجود. والفكر و الفضاء ليسا الا ميزتان او صفتان لجوهر واحد وحيد هو الله. اذن العقلى و المادى هما وجهان مختلفان لنفس الجوهر. هذا المونيزم المحايد يسمى ايضا نظرية المظهر-المضاعف double-aspect theory و الجوهر الواحد لا يجب ان يكون هو الله بالضرورة.
ونكتفى بهذا القدر لان الحلول و النظريات كثيرة جدا يصعب الاحاطة بها جميعا ربما حتى على المختص.

http://www.blutner.de/philom/



Comments