النور هو زمن صيرورة او صدور الموناد عند ليبنيز

جئت اكتب عن ليبنيز فكتبت عن فرنسا فضاع على حبل افكارى.
اذن ارجع و اقول ما أردت قوله عن ليبنيز وهو فى الحقيقة جواب عن سؤال سُئلته عدة مرات لم اجد جوابه الشافى الوافى الا عند ليبنيز.
السؤال: ماهو النور وهل له علاقة بالضوء?
يقول ليبنيز ان النور هو القوة الفاعلة فى الموناد.
وبالنسبة لليبنيز فان الموناد هى جواهر بسيطة غير قابلة للانقسام ليس لها قدر تشكل الوحدات الاساسية للوجود.
وهى ليست الذرات او الجسيمات الاولية, فالذرات تشكل الوحدات الاساسية للعالم الظواهرى.
فليبنيز لا يمكنه تصور جسيم اولى ليس له قدر ابدا.
وعند ليبنيز فان العالم الظواهرى هو سراب انعكاس لكنه سراب مؤسس للعالم الميتافيزيقى الحقيقى. وهذه فكرة عميقة تشبه ما نجده عند كانط. اذن كانط اخذها من عند ليبنيز.
والمونادات هى الوحدات الاساسية للعالم الميتافيزقى.
مثلا العقل أو الروح يقابل موناد واحد فى العالم الميتافيزيقى بسبب وحدة الأنا.
اما الجسم فيقابل عدد لا نهائى من المونادات. وهنا يقول ليبنيز شيء يشبه التناظرات الكونفورمال. فهو لا يقول بالذرة و بالتالى فان المادة قابلة للانقسام عنده عدد لانهائى من المرات. و فى كل جزء صغير فان المادة تتشكل من عدد لانهائى من المونادات الاصغر الى مالانهاية.
ثم ان ليبنيز ايضا لا يعترف بالسببية كما نعرفها نحن و بالنسبة له هى اقترانات فقط. وهذه فكرة عميقة اخرى تشبه ما نجده عند هيوم. اذن هيوم هو الآخر اخذها من عند ليبنيز,
اذن بالنسبة لليبنيز السببية و كذا الفضاء-زمن هى امور مثالية فى العقل لوصف العالم الظواهرى لكنها مؤسسة جدا بمعنى انها تسمح لنا بوصف فيزيائى صحيح للعالم الظواهرى.
والسببية بالخصوص تعوض بما يسميها ليبنيز الانسجامية السبقية pre-established harmony التى خلقها الله مسبقا بين المونادات بحيث ان كل المونادات فى العالم الميتافيزيقى تعمل فى انسجام دون ان تكون مؤثرة فعلا فيما بينها و فى بعضها البعض.
وهذا يشبه ما سماه فيما بعد هيوم مبدأ الاقتران و ليس مبدأ السببية.
وهذا هو اساس قول كل من ليبنيز و هيوم بالتوائمية فى الارادة الحرة.
أليس هذا هو نفسه مبدأ العادة الغزالى.
ومبدأ الانسجامية المسبقة لليبنيز هو ايضا الاساس الذى يسمح لليبنيز بصياغة الثنائية عقل-جسم الديكارتية بعيدا عن التفاعلية interactionism الديكارتية.
فرأى ليبنيز هو التوازوية parallelism اى ان العقل موازى للجسم و الجسم موازى للعقل دون ان يكون احدهما مؤثر فى الاخر.
يعطى ليبنيز مثال مشهور جدا يقول. العقل (الذى هو موناد واحد فى العالم الميتافيزيقى) مثل الساعة و ايضا الجسم فهو مثل ساعة اخرى. وهما ساعتان تشتغلان بانسجام مطلق فيظن من لا يعرف تاريخهما ان احدهما يؤثر فى الآخر. لكن الحقيقة ان هناك سبب مشترك (هو الله) الذى يجعل الساعة الاولى (العقل او الروح) تشتغل منسجمة مع عمل الساعة الثانية (الجسم). اذن العقل لا يؤثر فى الجسم و الجسم لا يؤثر فى العقل بل هى الانسجامية المسبقة (وليس السببية) فى العالم الميتافيزيقى.
والموناد monad الانطولوجى يقابل المفهوم الكامل complete concept الابيستيمولوجى.
والمفهوم الكامل يتشكل من كل الاخبار (جمع خبر predicate) المترابطة فيما بينها التى تعطى وصف كامل للموناد فى الماضى و الحاضر و المستقبل (سنعرف الماضى و الحاضر و المستقبل ادناه فهذا ليس امرا هينا).
ويقترن بهذه الشبكة من الاخبار المترابطة الواصفة للموناد القوة الفاعلة active power او النور التى تجعل الموناد يُفعل كل اخباره بشكل تلقائى.
لهذا يقول ليبنيز فى احد اوصافه البليغة و هو مشهور جدا بها ان الاخبار مطوية folded up داخل الموناد.
القوة الفاعلة للموناد او نوره هو ما يسميه ارسطو الخروج من الكمون الى الفعل او الاستنجاز entelechy.
فالموناد يعد ان يصبح حقيقى يريد ان يصل الى الكمال عن طريق تفعيل كل اخباره او صفاته و هذا حتى يصبح مقابل لمفهومه الكامل.
فهناك اذن بمصطلحاتنا الفيزيائية ايزومورفيزم isomporphism بين المونادات و المفاهيم الكاملة. فكل موناد يقابل مفهوم كامل و كل مفهوم كامل يقابل موناد.
اذن نور الموناد هو قوته الفاعلة او الاستنجاز الذى تجعله ينحى نحو الكمال بعد تحقق وجوده.
اذن النور هو شيء موجود فى العالم الميتافيزيقى ليس له علاقة بالضوء (وهذا شيء كنت اقوله لمن يسألنى عن النور لكن نظرية ليبنيز تعطى وصف نهائى لماهيته).
وهذا النور لا تتميز به فقط الروح بل كل موناد يتميز بنور او قوة فاعلة تجعله يستنجز اخباره.
وبالاضافة الى القوة الفاعلة او الفعالية activity فان نشاط الموناد يحتوى ايضا على انفعالية passivity و على مقاومة او عطالة inertia.
وكل هذا النشاط هو الذى يظهر على شكل مبدأ السببية فى العالم الظواهرى وهو الذى يؤدى الى المفهوم الكامل المقابل لذلك الموناد.
اذن هذا النشاط يؤدى الى تغيير حالة الموناد. لكن التغيير يحتاج الى زمن. و الزمن غير موجود فى العالم الميتافيزيقى بل موجود فقط فى العالم الظواهرى.
هنا يميز ليبنيز بين ثلاثة انواع من المستويات الزمنية:
اولا قدم الله فالله موجود فى لازمن.
ثانيا الاستنجاز الذى يعانيه الموناد بشكل مستمر مما يؤدى الى تغيير حالته. اذن كل نشاط الموناد يحدث فى هذا الزمن. اذن هذا الزمن هو زمن داخلى للموناد و ليس خارجى عنه. فهو زمن الصدور او الفيض (وهذا هو التغير فى هذه الحالة) الذى يقابل الصيرورة becoming التى تنقل الموناد من الكمون الى الوجود الفعلى الى الكمال (المفهوم الكامل) بشكل مستمر.
فحالة الموناد فى الحاضر حامل بالمستقبل مثقلة بالماضى (تعبير آخر بليغ من تعبيرات ليبنيز).
لكن هذا الماضى و الحاضر و المستقبل هى بالنسبة لزمن الاستنجاز اى زمن الصدور او الفيض من الموناد عندما يستنجز اخباره كلها بشكل مستمر للوصول الى المفهوم الكامل.
ثالثا و اخر نوع من الزمن هو الزمن الفيزيائى الذى يحكم عالم الظواهر. و هو الزمن المحدث.
اذن الزمن الاول هو زمن الكائن الضرورى necessary (اى واجب الوجود) اما الزمن الثانى فهو زمن الكائن المشروط contingent (ممكن الوجود). اذن الفرق بينهما هو الفرق بين المطلق اللانهائى و النسبى النهائى.
اما الفرق بين الزمن الثانى و الزمن الثالث هو ان الزمن الثانى هو زمن داخلى للتغير اما الزمن الثالث فهو زمن خارجى للتغير. و يمكن ان نفهم الثالث على انه علائقية ليبنيز وهو سراب مؤسس founded illusion (هكذا يقول ليبنيز لان الفيزياء تصفه بشكل صحيح) للزمن الحقيقى للموناد.
اذن النور هو الزمن الثانى الذى هو سط بين الزمن القديم الالهى و الزمن المحدث الظواهرى.
وهذه النتجية الاخيرة هى فهمى الشخصى.


Comments