ليبنيز حول حرية الارادة


وأخيرا اضاء نور جديد غير متوقع من حيث لم اكن انتظر, وبالضبط من الاعتبارات الرياضية التى تخص طبيعة المالانهاية. فهناك متاهاتان للعقل الانسانى: الأولى تخص تكوين المستمر و الثانية تخص طبيعة الحرية وكلاهما ينشأ من نفس المنبع وهى المالانهاية.
ليبنيز يتحدث فى مقاله القصير (وكأنه منشور فايسبوكى) المُعنون ب (حول الحرية).
و يعنى ليبنيز بالمستمر continuum فى المقطع اعلاه المادة و لا يعنى مجموعة الاعداد الحقيقية التى تسمى اليوم ايضا كما يعرف كل رياضى و كل فيزيائى بالمستمر.
اذن ليبنيز يعتقد كغيره من الفلاسفة ان المادة تقبل القسمة الى مالانهاية. اذن هذا ليس بجديد.
لكن ليبنيز لكونه رياضى بالاساس فان رأيه هنا ادق من راى غيره من الفلاسفة (الموناد او الجوهر الفرد المثالى).
وقد ناقشنا هذه النقطة من قبل و لاهميتها القصوى سنناقشها اكثر فى المستقبل ان شاء الله.
اما غير المعروف و الذى لن تجدونه فى كل الفلسفة هو اعتقاد ليبنيز ان المالانهاية هى ايضا منبع حرية الارادة.
وهذه نقطة هذا المنشور.
انظر النص ادناه المأخوذ من (حول الحرية) لليبنيز حيث فى بقية النص يهاجم ليبنيز تصريحا لا تلميحا قول ديكارت بأنه لا يمكننا فهم حرية الارادة لان محاولة فهمها هو محاولة الجمع بين علم الله بما سيقع و تقديره له فى الازل و بين حرية الانسان فى فعله و مسؤوليته عنه اليقينية.
فيرد ليبنيز ان عدم الفهم شيء و فهم ان هناك تناقض شيء آخر. فيمكننا ان لا نفهم قضية ما لكن يقينا يمكننا ان نفهم اذا كانت هذه القضية تؤدى الى تناقض ام لا.
وهذه هى ما اسميها العقلية الحازمة الحاسمة التى يتميز بها ليبنيز بالمقارنة خصوصا مع كانط و بدرجة اقل مع ديكارت.
لكن كيف تنشأ حرية الارادة من المالانهاية?
(انبه ان المنشور طويل و تقنى قليلا ابتداءا من هذه النقطة. اذن اعذرونا فنحن لا نقدم ساندويتش فكرى بل وجبة فكرية دسمة كاملة. لكن من صبر و فهم فهو خير كثير.)
يبدأ ليبنيز فى هذا المقال نفسه و فى اماكن اخرى ايضا من مسألة ابيستيمولوجية و ليس انطولوجية.
اولا عند ليبنيز هذا العالم هو العالم الاكثر كمالا و لهذا خلقه الله لأن الله لا يفعل الا الافضل لكن هناك عوالم اخرى لا نهائية فى العدد ممكنة جدا و كان يمكن ان يخلقها الله لكنه لم يفعل لانها فقط اقل كمالا.
القضايا عند ليبنيز او ما يسمى الأنماطية modality تأتى فى اربعة انواع: الضرورية, الطارئة, الممكنة و المستحيلة.
الضرورة necessary: القضية تكون قضية ضرورية اذا وفقط اذا كانت صحيحة ضرورة فى كل عالم ممكن. نفى القضية الضرورية يستلزم ضرورة تناقض.
الطارئ contingency: القضية تكون قضية طارئة اذا و فقط اذا كانت صحيحة فى هذا العالم و خاطئة فى عالم آخر. اذن نفى القضية الطارئة لا يستلزم اى تناقض.
الامكان possibility: القضية تكون قضية ممكنة اذا و فقط اذا كانت صحيحة فى أحد العوالم الممكنة. قارنوا بالقضية الطارئة التى يجب ان تكون صحيحة فى هذا العالم الاكثر مثالية.
الاستحالة impossibility: القضية تكون قضية مستحيلة اذا و فقط اذا كانت خاطئة فى كل عالم.
أهم شيء بالنسبة لحرية الارادة هى القضايا الضرورية و القضايا الطارئة.
الفرق بينهما كما يقول ليبنيز فى مقاله الآخر المُعنون (حول الطارئ) ان برهان القضية الضرورية ينتقل من علة reason الى علة ثم ينتهى الى علة نهائية بعد عدد منتهى من الخطوات. اذن القضية الضرورية تنتهى الى متطابقة identity وهى مبدأ ليبنيز الشهير فى تعريف القضية الصحيحة على انها (الخبر-فى-المبتدأ predicate-in-notion).
مثال نأخذ القضية 2+2=4. نحن نعرف ان 1+1=2 و 4=1+1+1+1 اذن القضية الاولى هى فى الواقع المتطابقة 1+1+1+1=1+1+1+1.
القضية الضرورية عند ليبنيز هو ما يسميه كانط القضية التحليلية لكن كانط يرفض القول بان الحساب هو قضايا تحليلية. والنقاد فى هذا الامر وقفوا فى الاغلبية الساحقة مع ليبنيز.
اما فى القضية الطارئة فان خطوات البرهان تمتد الى مالانهاية وفقط الله سبحانه و تعالى يمكنه ان يرى كل الخطوات دفعة واحدة اما نحن فكل خطوة نحتاج الى رؤية صحتها فى الخطوة الموالية الى مالانهاية. اذن فى القضايا الطارئة لا يمكن ابدا البرهان على ان المبتدأ و الخبر يُختزلان الى متطابقة. وهذا رغم ان القضايا الطارئة تخضع ايضا للمبدأ الليبنيزى (الخبر-فى-المبتدأ) مثلها مثل القضايا الضرورية لكن الفرق ان الله فقط فى هذه الحالة يستطيع ان يرى كيف يحتوى المبتدأ على الخبر اما نحن فليس لدينا الا التعليل اللانهائى اى الذى لا ينتهى الا عند خلق هذا العالم الكامل على يد الله.
هنا على ان اذكر ان ليبنيز لان فهمه للمالانهاية هو فهم رياضى دقيق فهى بالنسبة له غير موجودة. اذن التعليل اللانهائى لا ينتهى بالنسبة له. اذن الله-حسب ليبنيز- لا يرى فى الواقع تلك المالانهاية لانها غير موجودة لكنه يرى الخبر-فى-المبتدأ الذى تنطوى عليه القضية الطارئة.
ليبنيز يقدم المقارنة الرائعة التالية. القضايا الضرورية هى مثل الاعداد الكسرية المنطقية حيث ان الكسر يُعاد كتابته بعدد منتهى من الارقام بعد الفاصلة (مثال نصف هو 0,5 و ربع هو 0,25) اما القضايا الطارئة فهى مثل الاعداد الكسرية غير-المنطقية حيث ان الكسر عندما يُعاد كتابته فى الكتابة العشرية فان عدد الارقام بعد الفاصلة لا نهائى (مثال ثلث هو 1,33333...).
اذن القضايا فى بعض الاحيان هى قابلة للبرهان لانها تختزل الى متطابقات (الضرورية) و فى بعض الاحيان طارئة و يسميها ايضا ليبنيز حرة free (فرغم ان هناك برهان الا ان البرهان مخفى و راء المالانهاية و فقط الله يستطيع ان يراه).
هذا التفريق بين الضرورى و الطارئ يسميه ليبنيز بالتحليل اللانهائى infinite analysis. وهذا مبدأ يعتمد على فرضية ان عدد العوالم الممكنة هو لا نهائى التى وجودها كامن فى علم الله اكثر من شيء آخر. فوجود هذه العوالم ممنوع ليس لانها محال لكن لانها اقل كمالا والله حسب مبدأ الافضل لا يفعل الا الافضل.
فالقضايا الضرورية لا تتعلق بخلق هذا العالم الكامل -حسب ليبنيز- لكن القضايا الطارئة شرط صحتها خلق هذا العالم.
وليبنيز يسمى القضايا الطارئة قضايا حرة لانها حرة من البرهان و لان كل افعال الانسان الاختيارية هى قضايا طارئة.
اذن القضايا الضرورية هى القضايا التى نقيضها هو تناقض. ومثال ذلك الاحكام الخالدة eternal truths للحساب و الهندسة.
اما القضايا الطارئة فهى قضايا صحيحة لا ينجم عن نفيها تناقض وهى صحيحة فقط بناءا على الافتراض الابتدائى ex hypothesis الذى من ضمنه خلق العالم. اذن القضايا الطارئة هى قضايا عارضة احتمالية فرضية وهذه كلها من خواص الفعل الانسانى.
أمثلة ليبنيز هى أكل آدم من الشجرة,و غدر يهوذا بالمسيح و عبور يوليوس قيصر لنهر الروبيكون Rubicon من غول (فرنسا) و تسببه فى الحرب الأهلية.
نأخذ المثال الثالث اى عبور يوليوس قيصر لنهر الروبيكون.
فهذه قضية طارئة صحيحة فقط بناءا على ما سبقها من الاحداث التاريخية ومن بينها خلق هذا العالم الكامل.
ففعل يوليوس قيصر هو فعل حر لانه ينجم بشكل تلقائى من المفهوم الكامل complete concept المقابل للجوهر substance الذى هو يوليوس قيصر وهو فعل حر من يولويوس قيصر لانه نجم من ارادة يوليوس قيصر التى تتبع مبدأ الافضل.
لكن فعل قيصر رغم انه يقينى فى هذا العالم الا انه ليس ضرورى. فهو فعل يقينى بناءا فقط على الافتراض الابتدائى.
اذن الفعل الانسانى لانه متشكل من قضايا طارئة هو ليس فعل ضرورى رغم انه يقينى. فهو فعل ليس ضرورى لان هناك عوالم اخرى كان يمكن ليوليوس قيصر فيها ان يبقى فى غول و لا يعبر الروبيكان.
وهذا هو المدخل الى تواؤمية ليبنيز العميقة التى يربط فيها بين فعل الانسان الحر و القضايا الطارئة ذات التعليل اللانهائى الذى ينتهى عند خلق هذا العالم الكامل.
ففعل الانسان عنده حر يقينى ليس ضرورى.


خلاصة

مقال قصير جدا من ليبنيز يقارن فيه بين القضايا الضرورية و القضايا الطارئة من جهة و الاعداد الكسرية الناطقة و غير الناطقة من جهة اخرى.
القضية الضرورية تلعب دور العدد الكسرى الناطق بمعنى ان تعليل القضية الضرورية ينتهى الى حد كما ان الفاصلة العشرية للعدد الناطق تنتهى الى حد.
اما القضية الطارئة فانها تلعب دور العدد الكسرى غير الناطق بمعنى ان تعليل القضية الطارئة لا ينتهى الى حد كما ان الفاصلة العشرية للعدد غير الناطق لا تنتهى الى حد.
لكن كل من الضرورية و الطارئة هى تخضع للمبدأ (الخبر-فى-المبتدأ). اى انها قضايا صحيحة. الضرورية صحيحة فى كل العوالم اما الطارئة فصحيحة فى هذا العالم فقط.
الفرق ان الله فقط يمكنه ان يرى بشكل سبقى القضية الطارئة كما هى فى علمه كما انه يرى سبقيا فى علمه العدد الكسرى غير الناطق.
اما الانسان فهو لا يستطيع ان يرى تعليل القضية الطارئة و لا العدد الكسرى غير الناطق الا خطوة بعد خطوة عن طريق الحس او الاستدلال اى لحقيا و ليس سبقيا.
اما القضايا الضرورية فيشترك فى رؤيتها الله و الانسان.
فعل الانسان الحر هو مجموعة من القضايا الطارئة.
ولان القضية الطارئة لا يراها الا الله ففقط الله يستطيع ان يرى فعل الانسان من الازل.
لكن القضية الطارئة ليست ضرورية رغم انها يقينية فى علم الله. ومن هنا فان الانسان حر لان فعله غير ضرورى بل طارئ.
بمعنى انه توجد عوالم اخرى غير كاملة فى علم الله تكون فيها القضية الطارئة خاطئة.
لكن لماذا اختار الله هذا العالم او لماذا هذا العالم هو العالم الكامل? الجواب هو نظرية بقاء للافضل ميتافيزقية من بنات افكار ليبنيز يشرحها لكم ليبنيز فى المقطع الثالث.
وهذه هى حرية الانسان كيف ترتكز على المالانهاية.
ولا اظن ان هناك فيلسوف استفاد ايجابيا -وليس سلبيا- من المالانهاية مثل ليبنيز ابدا.
انظر منشور البارحة الصعب التفصيلى.
انظر ايضا كتاب ليبنيز الذى وضعته للتحميل حيث تجدون المقال ادناه و مقالات اخرى كثيرة.
ولو تصفحتم الكتاب لعرفتم كيف استطاع ليبنيز ان يكون اكثر الفلاسفة كتابة. ليس لانه يكتب طويلا.
بل على العكس هو يكتب بشكل مركز قصير فى نقطة معينة. ثم يرجع الى نفس النقطة باشكال مختلفة فى اماكن و ازمنة مختلفة.
اذن لديه نفس طويل جدا على الفكرة و ليس على اللفظ.




Comments