حول وحدة الوجود


سأحاول مرة اخرى ان اشرح فلسفة وحدة الوجود كما افهمها شخصيا -وقد تكون نظرة ابن عربى أو قد لا تكون و قد تكون نظرة سبينوزا أو قد لا تكون اذن فاننى لست مسؤولا الا عن هذا الذى اعبر عنه هنا-. فهى بالنسبة لى قصية عقلية محضة و لا علاقة لها بالروحانية و الاشراقية بالضرورة.
نحن كلنا نتصور مع الغزالى و ابن تيمية ان هناك موجود هو الله و ان هناك موجود هو العالم و ان الله اوجد هذا العالم (من عدم) بارادته و قدرته.
فالله خارج العالم لا فى زمان (الغزالى) وهذا يبقى اصفى الاراء الكلامية و الفلسفية حتى نجد بديلا افضل.
و ان الله خلق قبل هذا العالم عوالم لا حصر و لا عد لها لأن الله غير معطل عن الخلق وهذا يقول به الغزالى ضمنا لا تصريحا ﻷن التصريح يؤدى بالضرورة الى ان الله حي فى زمن هو الدهر و يعبر عن هذا ابن تيمية بالقول ان العالم قديم بالنوع محدث بالعين. وهذه فكرة مقبولة اذا تقبلنا فكرة الزمن القديم (وهذا مقبول) وايضا تقبلنا مسألة تعلق الحوادث بالذات الالهية (والتعلق سيحله لنا ابن عربى ادناه) لكن تبقى مسألة الدور (وجود المالانهاية) التى لو تقبلناها لسقط 70 الى 80 بالمائة من اقوى البراهين على وجود الله.
وهذا هو فعلا لماذا لا افهم موقف ابن تيمية. و لأننى لا افهمه فاننى لا استطيع ان اقبله.
فكل شيء مرتبط بكل شيء و علينا ادراك الربط بين الامور قبل التحمس لأراء لا ندرى الى اين تؤدى.
لكن بغض النظر عن نقطة ضعف موقف ابن تيمية هنا فان موقف الغزالى واضح و قوى.
لكنه ينطوى ايضا على معضلة تنطوى عليها كل ادلة الفلاسفة و المتكلمون الالهيون و ليس فقط الغزالى و ابن تيمية.
و اظن ان القليل من يستطيع ان يفهم المعضلة فهى صعبة جدا على الفهم.
اولا الايجاد من عدم و ثانيا ان الله خارج الزمن او ان الله فى الدهر.
كل هذا معروف و يعترض عليه الدهرية.
لكن حتى اركز لكم المعضلة فان هذا (رأى الغزالى و ابن تيمية و كل من يقول مثلهم) يعنى ان هناك ثنائية فهناك الله و هناك العالم ونحن نحاول ان نبحث العلاقة السببية بينهما.
حتى ابن سينا و ابن رشد فهم توصلا الى حل المعضلة عن طريق خلق معضلة اخرى.
فتخلصا من معضلة الثنائية بين القديم و المحدث عن طريق جعل المحدث اى العالم قديما. وهذا فى ذاته كان يمكن ان يكون كافيا.
لكن المعضلة الكارثة التى يتسبب فيها رأى ابن سينا و ابن رشد هذا هو ان العالم القديم لأنه قديم لم يتخلق عن الصانع القديم اى الله بارادة و اختيار بل صدر صدورا و فاض فيضا.
وهذا غير مقبول تماما خاصة ان ابن سينا و ابن رشد يقولان بحرية الانسان فى فعله لكنهما يأتيان من الجهة الاخرى ويقولان بتقييد فعل الله. وهذا من اعجب ما تقرأ كما قلت مرة.
الحل الذى يقدمه ابن عربى هو ليس فى ترسيم الثنائية الغزالية-التيمية و لا فى تحويلها الى احادية على حساب الله سبحانه و تعالى مثلما ما فعل ابن سينا و ابن رشد بل الحل يكمن فى تحويلها بالفعل كما يريد ابن سينا و ابن رشد الى احادية لكن على حساب العالم و ليس على حساب الله سبحانه و تعالى.
اذن ابن عربى بكل بساطة يقول لا توجد ثنائية لانه لا يوجد الا الله و العالم هو تجلى من تجلياته سبحانه و تعالى وان عوالم لا عد و لا حصر لها تتجلى فى كل آن عن الله سبحانه و تعالى (مثلما يقول ابن تيمية ان الله غير معطل عن الخلق).
وابن عربى لا يقول مثل الغزالى ان الله خلق العالم (من عدم) بل يقول ان الله خلق العالم (عن عدم). فالعالم كان موجودا كمونيا (اى موجودا بالقوة او ما يسميه ابن عربى الوجود العلمى) ثم خرج الى الوجود الحقيقى (اى الوجود بالفعل او ما يسميه ابن عربى الوجود العينى) عند التجلى.
وفعلا فان ابن عربى يتحدى قول الغزالى فى ان الله اوجد العالم من عدم لان هذا يستلزم و كأن العدم هو فى مقابل الوجود وهذا تصور عقلى غير صحيح لانه حسب ابن عربى ليس هناك الا الوجود المطلق الذى هو الله.
اذن هذه العوالم التى تجلت عن الله سبحانه و تعالى هى ليست حوادث بالمعنى الذى يقصده الغزالى و بالتالى فهى تتعلق بذاته سبحانه و تعالى ثم تعود وتفنى فى ذاته لانها من ذاته.
وايضا معضلة الدور محلولة عند ابن عربى لانه لا وجود الا الوجود المطلق الذى هو الله وهو لانهائى و العوالم تجليات له اذن لا ضير فى ان يكون عددها لا نهائى لانها من ذات اللانهائى.
اذن كما ترون فتوحيد علماء اهل السنة الكبار مثلا الغزالى و ابن تيمية هو توحيد قائم على ثنائية بين الخالق و المخلوق مع كل التنزيه الذى يجتهدون فى تحقيقه.
اما الفلاسفة الكبار ابن سينا و ابن رشد فتوحيدهم قائم على محاولة توحيد بين الله و العالم على حساب ارادة و اختيار الله سبحانه و تعالى و لهذا لم يتبعهم احد من ملة الاسلام الا اقل القليل.
و اما ابن عربى فان توحيده يقوم على الغاء الثنائية بالكامل على حساب العالم الذى اصبح موجودا فقط اما الله فانه عنده ليس موجودا وحسب بل هو الوجود نفسه.
وحتى موقف ابن تيمية سوف يستقيم اذا تبنى موقف ابن عربى فى ان الله يخلق عن عدم و ليس من عدم.
وهذا فهمى الشخصى لهذا الامر.
واذا رأى اتباع ابن عربى اننى لا اعبر فعلا عن رأى ابن عربى فان هذا الرأى يبقى تعبيرا عن فهمى الشخصى لوحدة الوجود كما أستوحيته من شخصيتين غير مرتبطتين بالمرة هما شخصية ابن عربى الشيخ الاكبر و شخصية بولتزمان الفيزيائى النظرى الثالث.

Comments