حول السببية

حول السببية 1

السببية او كيف تؤثر الاسباب فى المسببات ثلاثة مدراس اساسية.
اولا التدفق الفيزيائى physical influx و ثانيا المناسبية المشهورة اكثر تحت مسمى العادة occasionalism وثالثا التوازوية parallelism.
على أن الاحظ ايضا ان السببية عند الفلاسفة قبل هيوم تختلف كثيرا عن السببية عند الفلاسفة بعد هيوم.
فالسببية قبل هيوم هى علاقة بين الجواهر substances. اذن الجواهر فقط يمكن ان تؤثر. اما بعد هيوم فالسببية هى علاقة بين الحوادث events.
وقد لاحظ ليبنيز -وهذا قبل هيوم ب 30 سنة فقط- ان النموذج القديم افضل فى جانب اساسى هو عدم وقوعه فى فخ الدور regress اى ان سلسلة الجواهر المؤثرة فى بعضها البعض تنتهى عند الجوهر الاول الذى ابتدأ السلسة. اما سلسة الاحداث المؤثرة فى بعضها البعض فهى حتى لو انتهت الى حدث أول ابتدأ السلسلة فانك لا تستطيع ان تمنع التساؤل لماذا هذه السلسلة وليس سلسلة اخرى.
وهذه نقطة قوية يعترف بها ايضا الكثير اليوم.
التدفق الفيزيائى هى النظرية المادية الطاغية اليوم بخصوص السببية. وكلمة فيزيائى لا تعنى بالضرورة مادى بل هى تعنى طبيعى لان هذه النظرية تستخدم ايضا فى تفسير العلاقة السببية بين العقل الذى هو جوهر غير مادى و الجسم.
فى هذه النظرية السبب يؤثر فى المسبب عن طريق تدفق فيزيائى موجود بينهما.
اذن على هذا النموذج هناك سببية تسمى سببية بين-الجواهر intersubstantial causation تؤثر بين الجواهر المنتهية (والمنتهية المقصود بها غير-الالهية عكس الجوهر اللانهائى الذى هو الله).
مثال عندما يلعب الموسيقار بالكمان فالموسيقار (هذا هو الجوهر المؤثر هنا) هو فعلا السبب فى اهتزاز اوتار الكمان (الجوهر المتأثر). فالحركة التى هى نمط او حالة لجسم الموسيقار تم تحويلها (تدفقت) الى اوتار الكمان.
اشهر الفلاسفة الذين قالوا بالتدفق الفيزيائى اذكر الحسى هوبز Hobbes احد غرماء لبينبز الذى اشترك مع العقلانى سبينوزا الغريم الآخر لليبنيز بالقول بالجبر الذى كان يحاربه ليبنيز.
اما العادة او المناسبية فاشهر من قال بها على الاطلاق مالبرانش Malebranche و من هو اقوى منه بكثير الغزالى . وهى تنص بكل بساطة على أن الجواهر المنتهية يستحيل ان تؤثر فيما بينها و يستحيل ان تؤثر فى نفسها اى انها تمنع بالاضافة الى سببية بين-الجواهر فانها تمنع سببية فى-الجواهر intrasubstantial causation.
فى نظرية العادة المؤثر الفعال الوحيد اى السبب الحقيقى الوحيد فى هذا الوجود هو الله.
فعندما يعزف الموسيقار على الكمان فان الله يسبب اهتزاز اوتار الكمان عند مناسبة ارادة الموسيقار مداعبة اوتار كمانه. هذه الارادة نفسها التى يجدها الموسيقار فى نفسه يتسبب فيها الله. لان المناسبية او العادة تحيل النوعين من السببية بين-الجواهر و فى-الجواهر.
النظرية الثالثة هى التى يتبناها ليبنيز. وهى التوازوية. وهى تمنع مثل العادة السببية بين-الجواهر لكنها تقر مثل التدفق الفيزيائى السببية فى-الجواهر. اذن الجواهر المنتهية لا تؤثر فيما بينها لكن تؤثر فى نفسها.
ربما هذا هو موقف ابن سينا و ابن رشد و ابن تيمية و ابن حزم و غيرهم من فلاسفة الاسلام.
اذن عندما يعزف الموسيقار على كمانه فان الذى يتسبب فى اهتزاز اوتار الكمان ليس الموسيقار لكن الكمان نفسه.
وهذا راجع حسب ليبنيز الى التناغم السبقى pre-established harmony -الذى خلقه الله عند خلق هذا العالم الكامل- بين العقل و المادة.
فعندما يكون الموسيقار فى الحالة التى يريد فيها مداعبة اوتار الكمان فان الكمان يصبح فى الحالة الفيزيائية التى ينجم عنها اهتزاز الاوتار.
اذن التأثير بين الموسيقار و الكمان هو ليس سببية بين-جواهر بل هو ناجم عن التناغم السبقى.
نظرية التناغم السبقى هى من اشهر انجازات ليبنيز وهى اشهر نسخة للتوازوية.
وهى تنص ان هناك تقابل بين ادراكات الجواهر التى هى كائنات مثالية عند ليبنيز يسميها انفس و بين حركات الاجسام.
التناغم السبقى لليبنيز يلخص فى النقاط الاربعة التالية:
-لا توجد سببية بين-الجواهر.
-توجد سببية فى-الجواهر.
-طبيعة الجوهر مختزلة بالكامل فى المفهوم الكامل المرفق به (انظر المنشورات السابقة) الذى يحتوى على كل الحالات الماضية و الحاضرة و المستقبلية للجوهر.
-طبيعة كل جوهر متناغمة مع طبائع كل الجواهر الاخرى.
وهذا التناغم بين طبائع كل الجواهر خلقه الله عند خلق العالم الكامل.
ليبنيز يرفض نظرية التدفق الفيزيائى لانه لا يمكن تفسير (هكذا يقول) كيف يمكن للاعراض accident او ما يسمى اليوم فى الفلسفة افراد-الصفة property-instances أن ينتقل من جوهر الى آخر و عليه فان التدفق الفيزيائى محال.
ايضا يستخدم ليبنيز وهو فيزيائى قانون انحفاظ كمية الحركة ليدحض نظرية التدفق الفيزيائى بين العقل و الجسم.
وايضا يستخدم امكانية فقدان الفعالية السببية للجوهر بسبب تأثيره المستمر حجة اخرى ضد نظرية التدفق الفيزيائى.
اما اعتراضات ليبنيز على نظرية العادة فهى تدور كلها حول فكرة ان العالم الذى يتدخل فيه الله بشكل مستمر هو عالم غير كامل!
كل هذا منسجم بشكل جيد.
لكن ليبنيز يأتى و يضيف ان الله يتدخل ايضا عند تأثير الجواهر فى نفسها عبر سببية فى-الجواهر و لا يكتفى بالتدخل فقط عند الخلق الاول بخلق التناغم السبقى بين الجواهر. و ان هذا التدخل المستمر هو خلق متجدد (مفاجأة) عبر الصدور الذى قال به افلوطين و ابن سينا و ابن عربى.
هنا بعد هذه الاضافة فاننى لا ارى اى فرق بين التوازوية المعطاة بالتناغم السبقى وبين مبدأ العادة او التناسبية.
يتبع ان شاء الله


حول السببية 2

نظرية السببية عند ليبنيز هى نوع من التوازوية تسمى التناغمية السبقية تتشكل من 4 نقاط اساسية:
اولا لا توجد سببية بين-الجواهر. اى ان الجواهر لا تؤثر فيما بينها.
ثانيا توجد سببية فى-الجواهر. اى ان كل جوهر يمكنه ان يؤثر فقط على نفسه.
ثالثا طبيعة كل جوهر مشفرة فى المفهوم التام المقابل لهذا الجوهر بحيث ان كل حالات الجوهر فى الماضى و الحاضر و المستقبل محتواة فى المفهوم التام.
رابعا طبيعة كل جوهر متناغمة (ومن هنا جاء الاسم التناغمية) مع طبيعة كل الجواهر الاخرى. و ان هذا التناغم خلقه الله بين كل الجواهر عندما خلق هذا العالم الكامل (ومن هنا فهى تناغمية سبقية). ولهذا نحن نرى العقل يعمل بشكل متناغم مع العقل رغم انه لا توجد اى علاقة سببية بينهما -حسب ليبنيز-.
هذه النظرية تعنى بكل بساطة ان الذى نراه من ان الاشياء تؤثر فى بعضها البعضل ليس الا من ظواهرية هذا العالم و ان الواقع فى الحقيقة ينبنى على تناغم سبقى بين مكوناته.
اذن ليبنيز حل من الجذور مسألة السببية بين-الجواهر فهى بالنسبة له (وهذا هو المصطلح) سراب مؤسس well-founded illusion.
تبقى ماهية السببية فى-الجواهر هى التى تحتاج الى مزيد توضيح.
ليبنيز يعرف الجوهر على انه كائن فاعل.
و الفعل هو التغير المستمر للاعراض وهى هنا تمثيلات representation (على مصطلح كانط) او ادراكات perceptions الجوهر.
والادراك يعرفه ليبنيز على انه الحالة الداخلية للجوهر التى تعبر عن الاشياء الخارجية.
لكن الجوهر يتميز ايضا بنزعات appetitions وهى نزعته فى الانتقال من ادراك الى ادراك.
اذن الذى يسبب هذا الفعل (التغير المستمر للادراكات داخل الجوهر) هو قوة فعالة فطرية primitive active power فى الجوهر (وبعض النقاد يقول ان هذه القوة هى نفسها الجوهر).
هذه القوة هى قانون او طبيعة خلقها الله فى الجوهر عندما خلق الجوهر.
هذه القوة الفطرية او القانون او الطبيعة تتشكل اذن من المظهرين: التمثيلى المعطى بالادراكات و الديناميكى المعطى بالنزعات.
اذن فى المحصلة القوة الفطرية فى الجوهر هى السبب الفعال efficient cause وراء تغير الحالات الادراكية التى هى حالات الجوهر. و أن الفعل الوحيد للجوهر هو تغيير الادراكات.
اذن هناك فرق فى الدور السببى الذى تلعبه كل من الحالات الادراكية للجوهر و القوة الفطرية الداخلية.
فالسبب الفعال (السبب الحقيقى على مصطلح هيوم) فى تغيير حالات الجوهر بشكل مستمر هو القوة الداخلية للجوهر و ليس الادراك الذى يجب فهمه على أنه الحالة.
و لان الادراكات هى اعراض اى حوادث و فقط الجواهر يمكنها ان تكون فعالة سببيا -حسب الانطولوجيا التى يتبناها ليبنيز- فان الادراكات لا يمكن ان تكون فعالة سببيا بمعنى ان تكون اسبابا فعالة.
اذن للتبسيط على الفهم دعنا نقول ان القوة الفطرية (أى الجوهر نفسه) هى السبب الفعال المنتج للمسبب (اى تغيير حالة الجوهر) أما حالات الجوهر فهى الحالات الادراكية و هى غير فعالة سببيا.
اذن القوة الفطرية داخل الجوهر تؤثر على الحالات الادراكية و تغيرها بشكل مستمر حسب النزعات و ليس ان الحالات الادراكية تؤثر فى بعضها البعض.
لكن ليبنيز ايضا يقول ان الحالة الادراكية A مثلا هى السبب فى الحالة الادراكية B.
هنا هو يعنى الاسباب النهائية final causes اى العلل الغائية و الاسباب الشكلية formal causes وهى اسباب غير ميكانيكية عكس الاسباب الميكانيكية التى سميناها الاسباب الفعالة.
اذن الاسباب عند ليبنيز ثلاثة انواع.
فالادراكات هى بالضبط التى توفر الاسباب النهائية و الشكلية لانها هى التى تحدد منطقيا الحالات النهائية للجوهر من ناحية.
فهدف كل ادراك هو سبب نهائى أى غائى بقدر ان كل ادراك يحدد لماذا يجب انتاج هذه الحالات المعينة و ليس الاخرى. فالادراكات السابقة تحتوى على علة الادراكات اللاحقة. اذن الادراكات تأتى و تذهب حسب الاسباب النهائية الغائية. اذن الاسباب النهائية مرتبطة بالنزعات. و الاسباب النهائية قد تكون منتجة مثل الاسباب الفعالة وقد لا تكون منتجة (و أن تنتج حالة هو ان تتسبب فيها بفعالية).
اما الادراكات نفسها فهى أسباب شكلية بمعنى ان حالات الجوهر فى الحاضر تحدد بالكامل محتوى الحالات النهائية للجوهر. وهذه الاسباب هى دائما غير منتجة.
هذه الاسباب الشكلية (بالاضافة الى ما سماه ليبنيز الادراكات الصغيرة petites perceptions او ما يسمى اليوم باللاشعور) هى التى تضمن استمرارية المحتوى الادراكى انسجاما مع مبدأ الاستمرارية لليبنيز (انظر المنشور الاول حول ليبنيز هذا الصيف).
اذن التأثير السببى فى-الجواهر حسب ليبنيز يحتوى على ثلاثة انواع من الاسباب التى تؤدى الى تغيير ادراكات الجوهر: فعالة تتبع القوة الفطرية الداخلية و نهائية تتبع النزعات و شكلية تتبع مبدأ الاستمرارية.
نختم بالسببية الالهية عند ليبنيز.
هنا يعود ليبنيز و يقول ان التغيير فى الحالة الادراكية للجوهر ايضا يشارك فيه الله بالاضافة الى الاسباب المذكورة اعلاه.
اذن الله خلق التناغم السبقى و ايضا يشارك مع الجواهر المخلوقة فى تأثيرها.
هذا يسمى التزامنية concurrentism.
هل هناك فرق اذن بين التناغم السبقى لليبنيز و المناسبية او العادة لمالبرانش?
حتى ينجوا ليبنيز من هذا الاعتراض الاخير الخطير -فليبنيز كان معارضا شديدا لمبدأ العادة- فانه يزيد الطين بلة و يذهب و يقول بالخلق المستمر عبر الفيض.
اى ان الله يخلق العالم باستمرار. و الخلق باستمرار هو عن طريق الفيض و هو يعطى المقاربة التالية: الله يخلق العالم فيضا اى بشكل مستمر مثلما اننا ننتج افكارنا فيضا بشكل مستمر.
أليس هذا مشابها جدا لفكرة ابن عربى بان الله يخلق العالم فيضا اى بشكل مستمر مثلما اننا نتكلم فيضا اى بشكل مستمر.
لكن هل فعلا اصبح التناغم السبقى مختلفا عن العادة بعد اضافة الخلق المستمر بالفيض.
شخصيا كنت احبذ ان يتوقف ليبنيز عند التناغم السبقى و ان الله يخلق التناغم عند الخلق الاول ثم يترك الخلق لذلك التناغم. هذه فكرة ابسط و اصفى و اقوى.
واظن ان هذا هو الرأى السيناوى و الرشدى.
لكن باضافة الخلق المستمر و الفيض فهو اقترب شاء او أبى وكثير جدا من مبدأ العادة الذى يمقته.

G.W.Leibniz,  Philosophical Essays.

Bobro, Marc, "Leibniz on Causation", The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Fall 2017 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/fall2017/entries/leibniz-causation/>.  

Look, Brandon C., "Leibniz's Modal Metaphysics", The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Spring 2013 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/spr2013/entries/leibniz-modal/>.






Comments