حول محى الدين بن عربى


اما النور بالنسبة لمحى بن عربى فهو علاقة كل موجود بالوجود.
وعنده كل موجود هو مخلوق أما الوجود فهو الله سبحانه و تعالى نفسه.
اذن الحق هو النور. و أن لا شيء يُعرف الا الله. لأن كل ما يُعرف هو من تجليات هذا النور.
وعند كل الفلاسفة و منهم ابن سينا و الغزالى و ليس فقط ابن عربى فان اهم مشروع ميتافيزيقى هو لس دراسة الوجود اى (ان تكون being) فقط بل ايضا دراسة التأله و هذا مصطلح رائع لابن سينا كنت ابحث عنه منذ مدة طويلة يعنى (أن تصبح becoming).
فهناك فلسفة مختلفة جذريا عن فلسفة الوجود او الميتافيزيقا تسمى فلسفة الطريقة process philosophy لا تعتنى و لا يهمها (أن تكون) لكن تعتنى و يهمها (أن تصبح) مثلا وايطاهاد و هايدبرغ.
و ابن عربى يقدم هنا رؤية فريدة ل (أن تصبح) و هو التخلق باسم الله و هى فكرة غزالية-سيناوية.
ولهذا سمهاها ابن سينا بابداع (التأله) يعنى ان تحاول ان تكون الى الله unto Allah.
يقول ابن عربى ان الله خلق الانسان على صورة الاسم الجامع (الله) و بالتالى فان التأله او (أن تصبح) هو تحقيق التناغم بين النفس و الحق عبر معرفة الكتب الثلاثة وهى عنده: القرآن و الكون و الروح.
وحسب ابن عربى فان نموذج التأله المثالى هو محمد صلى الله عليه و سلم الذى كان خلقه القرآن.
واهتمام ابن عربى بالقرآن يفوق اهتمام الفلاسفة و المتكلمين و لديه مقاربات عجيبة غريبة حول القرآن وفى تفسيره.
مثلا قوله ان القرآن ﻷنه كلام الله فهو من ماهية الذات الالهية و بالتالى فهو غير ظاهر و غير متميز عن الذات الالهية و يصبح فقط ظاهر و متميز فى اللفظ و الصوت. وهذا يشبه قول الغزالى ان القرآن هو كلام الله النفسى القديم لكن اللفظ و الصوت مخلوقان. لكن اجد كلام ابن عربى افضل لكن لا ادرى لماذا.
وهنا ايضا اشير الى استخدام ابن عربى للفظ الاشارة الانثى (هى) و ليس الذكر (هو) للاشارة الى الذات الالهية و هو اذن متحرر غير متحرح ابدا رغم ان الصوفية قبله كانت تناقش ان اسم الله الاعظم قد يكون هو اسم الاشارة (هو) فلم يقبلها ابن عربى منهم فلم ترسخ بعدها الفكرة بقوة.
لكن ايضا فان كلام الله عند ابن عربى يتجلى فى القرآن و ايضا فى الكون و فى الروح. فمخلوقات الله هى كلماته.
فعند ابن عربى (وهذا من اغرب ما يكون) الخلق هو الكلام و الكلام هو الخلق. ولهذا يقول ابن عربى ان الله يسمى آيات القرآن و كذا الظواهر الكونية و النفسية بالآيات.
فالحق عندما يتكلم فانه لا يتكلم الا بآياته القرآنية و الكونية و النفسية و هو يتكلم حتى يصف نفسه و ذاته و قدرته و خلقه.
و اذكر هنا بالخصوص ان ابن عربى يسمى الكون بالقرآن الأكبر.
وطبيعة الاشياء عنده تكمن فى كلام الله سبحانه و تعالى.
فنحن البشر عندما نتكلم فاننا نخلق الالفاظ و الجمل فى انفاسنا المستمرة المتكررة.
بنفس الطريقة (ولله المثل الاعلى) فان الله يخلق الكون بخلق الكلمات فى نفس الرحمن. وهذا هو ما يسميه ابن عربى انبساط الوجود. فعنده الوجود مرادف للرحمة لان خلق الكلمات يتم فى نفس الرحمن و هذا الخلق نفسه هو خلق الكون.
ولأن الكلمات تتبدد بسرعة فان الله يعيد خلق الكلمات باستمرار مع الانفاس.
اذن كل شيء غير الله يخلقه الله جديدا كل لحظة و هذا قول مشهور جدا للغزالى يسميه ابن عربى تجديد الخلق فى الآنات. لكن الجديد هو رؤية ابن عربى لهذا الخلق المستمر على انه تكلم مستمر لله سبحانه و تعالى.
ولأن الخلق هى الكلمات فان انماط الخلق تعطى بالضبط بالحروف ال 28 للغة العربية. فكل حرف يعطى نمطا مختلفا من انماط الوجود. و أشهرها الخلق بالكاف و النون (كن).
وعنده فالقرآن هو المفسر للكون و النفس.
وان القرآن يجب ان يقرأ كما قرأه النبى و الصحابة من بعده.
لكن القرآن يحتوى ايضا على مستويات مختلفة واحد فوق آخر من المعانى المختلفة.
ويقول ايضا (و هذا رائع فعلا) ان الله يقصد فى القرآن كل معنى يفهمه اى احد يعرف العربية فى اى زمان و اى مكان.
وأن اى قارئ للقرآن عندما يقرأ القرآن و يفهم نفس الشيء الذى فهمه من المرة السابقة فهو لم يقرأ بشكل صحيح.
فعنده المعانى لا تتكرر.
وهى لا تتكرر فى الكتب الثلاثة: القرآن و الكون و النفس.
فالله سبحانه و تعالى لا يكرر نفسه ابدا فكل شيء من كلامه او خلقه يتجدد بشكل مستمر فى الآنات. و يسميها ابن عربى لا تكرار فى التجلى. و هو أحد مبادئه الاساسية التى يراها ضرورية لتحقيق التوحيد الحقيقى. فالله واحد فرد فى كل فعل و الخلق لانه تجلى عن الحق هو ايضا مختلف فى كل لحظة من وجوده.

Comments