بين الجسيم الاولى و الوعى

الجسيم الاولى هو موجود واحد غير قابل للانقسام و ليس له قدر. القول بأن ليس له قدر أى لا يمتد فى الفضاء هو نفسه القول بانه غير قابل للانقسام اى ان نصف قطره صفر. اذن هو النقطة الرياضية.
اذن الجسيم الاولى هو واحد مثلما ان الوعى هو واحد.
هذا يصعب تصوره جدا جدا. فكل الفلاسفة فى كل تاريخهم قالوا بأن المادة مستمرة قابلة للانقسام عدد لانهائى من المرات. اذن لا توجد ذرات او جواهر فردة او أجسام اولية.
انظروا هنا الصفات (مستمرة) و (عدد لانهائى من المرات).
اما علم الكلام (الأشاعرة و المعتزلة لأنهم أكثر المدارس انسجاما) فهو على النقيض تماما فى هذه النقطة.
فالمادة عندهم متقطعة لا يمكن تقسيمها عدد لانهائى من المرات لانها متقطعة غير مستمرة و لاننا لا يمكننا ابدا بلوغ المالانهاية و ان الجواهر الفردة هى مكونات المادة.
والصفة الاعمق التى ادت الى رأى الفلاسفة ان كل شيء موجود فى الفضاء اى المكان فهو يجب ان يتمتع بالامتداد و لهذا لا يمكن تصور جسيم اولى او ذرة موجودة فى الفضاء بدون ان يكون لها قدر.
هذا ما ذهب اليه المتكلمون الاشاعرة فقالوا الجوهر الفرد هو المكون الاساسى للمادة غير القابل للانقسام و لكن له قدر. اذن الغزالى رغم دقته العالية و عمق فهمه وقع تحت تأثير الفلاسفة هنا.
اما المعتزلة فى هذه النقطة فهم اصلب عودا فقالوا الجوهر الفرد هو المكون الاساسى للمادة غير القابل للانقسام و رغم انه موجود فى مكان الا انه ليس له امتداد او قدر. و هذا هو الصحيح فيزيائيا من الناحية التجريبية و النظرية.
والنفس او ما يسمى اليوم بالوعى ايضا تتميز بالوحدة و انها غير قابلة للانقسام. فلا يمكن عن طريق الاستبطان introspection (وهو ان تتأمل فى نفسك التى بداخلك) تمييز اى جزء منفصل و متميز فى الأنا. فاﻷنا وحدة واحدة.
لكن هل هذا يعنى ان اﻷنا هو جزء اولى. ربما فهذا ما يقوله مثلا ليبنيز الذى وصل الى ضرورة وحدة الجسيم الاولى الذى يسميه عنده موناد من ملاحظة وحدة الأنا.
لكن ليبنيز هنا غير واضح فهو يقول
1- مثل الفلاسفة ان المادة مستمرة قابلة للانقسام عدد لانهائى من المرات.
2- ان الفضاء اى المكان هو نظام لتواجد الاجسام و ان الزمن هو نظام لتوالى الاشياء. اذن الفضاء-زمن هو مثالى لان العلاقات المثالية اذن هو ليس جوهرا قائما بذاته.
3-مثل المعتزلة ان الموناد هو المكون الاساسى للمادة وهو غير قابل للانقسام وواحد و ليس له قدر.
4-ان الوعى هو ايضا موناد غير قابل للانقسام واحد و ليس له قدر. فعند ليبنيز بعض الموناد يتميز بالوعى مثل النفس التى نسميها وعى اختصارا وبعضها لا يتميز بالوعى مثل الجسيم الاولى المشكل للمادة.
5-الموناد ليس موجود فى العالم الظواهرى لكن موجود فى العالم الميتافيزيقى.
شخصيا ارى تعارضا بين 1 و 3. و ربما الحل يكمن فى 2 و 5.
أهم فكرة هنا هو قول المعتزلة الذى تؤكده الفيزياء الحديثة و ثانى أهم فكرة هو قول ليبنيز رقم 4 ان الوعى هو جوهر فرد واحد غير قابل للانقسام و و ليس قدر وهو ما تؤكده علوم الاستعراف الحديثة.
لكن هناك شيء آخر فى الفيزياء يتميز بالوحدانية فى نفس أهمية فكرة الجسيم الاولى و هو التشابك الكمومى quantum entanglement.
فالاجسام المتشابكة كموميا رغم انها اجسام منفصلة الا انها تتصرف و كأنها جسم واحد فرد غير قابلة للانقسام وهذا مادامت انها لا تخضع للظاهرة المضادة تلاشى التلاحم decoherence او الظاهرة المضادة الاخرى الاعمق الرصد الكمومى quantum measurement.
فالتشابك الكمومى لا يضيع الا عن طريق الرصد الكمومى او عن طريق تلاشى التلاحم و اذا لم يضع التشابك الكمومى فان الاجسام المتشابكة تتصرف فعلا كجوهر فرد (فهى توصف بحالة نقية pure state اى بشعاع فى فضاء هيلبرت Hilbert sapce) رغم ان حجمها قد يكون عدة امتار او حجم الكون المشهود.
اذن الوعى وهو واحد فرد كما يُعكس فى الأنا قد يكون مشكل من التشابك الكمومى لعدد ضخم من الموناد (وليس موناد واحد) المعزول من الرصد الكمومى و تلاشى التلاحم داخل الأنا. هذا يحل مسألة الوحدة. و تبقى مسألة الوعى نفسه. هل كل موناد من هذه المونادات المتشابكة كموميا يتميز بالوعى ام ان الوعى هو ناجم اى ينبعث عن التشابك الكمومى لهذه المونادات اى بعد ان تتجمع مع بعضها البعض. ليبنيز يفضل الحل الاول اما الفيزياء الحديثة فتفضل الحل الثانى.
اذن المكون الاساسى للوجود هو الجوهر الفرد المعتزلى الذى لا يصف الا المادة او ما هو أعم منه وهو الموناد الليبنيزى الذى يمكن ان يتميز بالوعى فى نفسه او ينبثق منه عن طريق التشابك الكمومى او شيء آخر.

Comments