و معضلة اخرى

و معضلة أخرى يعانى منها المثقف و المتعلم و صاحب الشهادة و بصفة عامة العقل المسلم الجزائرى و غيره هو عدم التفريق بين الايمان و المعرفة.
فعند المسلم الجزائرى فان الايمان هو معرفة. وهذا صحيح فى نفسه. لأن الايمان هو معرفة الله و معرفة نبيه و معرفة غيبه المعرفة الصحيحة البعيدة عن الخرافات و الاساطير و الظاهر و الباطن اى المعرفة العقلية-النقلية الصحيحة التى تكون فيها علاقة العقل بالنقل مثل علاقة الرياضيات بالفيزياء. لكن ايمان المسلم الجزائرى فى اغلبيته الساحقة من ابعد ما يكون عن هذا الوصف اذن ايمانه ليس بمعرفة فى المحصلة.
لكن عند المسلم الجزائرى فان ايضا المعرفة هى الايمان. وهذا خطأ جسيم. فهو يتعامل مع العلم و العقل و ما يقوله العلم و العقل تعامل الايمان او الكفر (والكفر كما قلنا من قبل هو ايمان بالنقيض اذن يخضع لنفس القواعد) اللذان لا نقاش فيهما فلا يتزعزع و لا يتزحزح.
فعندما تشرح لأحدهم شيئا فهو يأخذ احد موقفين قصويين.
اما ان يفترض مباشرة انك معتنق مؤمن بتلك المعرفة التى شرحتها و انه يجب عليه هو ان يعتنقه لان كل معرفة ايمان وهو يثق فيك فيؤمن اذن بتلك المعرفة ايمان المؤمن.
و اما ان يفترض مباشرة انك تريد ان تقنعه بشيء ما ليس فى مصلحته و بذلك فهو سيرفض تلك المعرفة التى شرحتها له فيكفر بها مثل كفر الكافر بالايمان.
لكن كل هذا خطأ و تطرف.
فالصحيح ان الايمان شيء و المعرفة شيء آخر. و المعرفة اكبر من الايمان و قد تكون مناقضة له لكن يجب ان نسعى اليها -او على الاقل بعضنا-.
واذكر هنا مثال الفخر الرازى الذى ذهب و تعلم السحر و كتب أهم كتاب فى السحر فى التاريخ الاسلامى يقول فى بدايته انه يجب على احدنا ان يتعلم هذا الامر حتى يكفى غيره و لا نُترك كلنا فى الظلام فى هذا الفن.
اذن المعرفة تُعرف و تُقبل او لا تقبل لا يجب بالضرورة ان تُعتنق كايمان.
اذكر هنا زميل قديم لى فرنسى الجنسية كنا نتناقش مرة حول الهندسة غير-التبديلية و اهميتها فى الفيزياء فقال لى متسائلا ألا تؤمن بهذه الهندسة لأنك تعمل عليها منذ فترة. قلت مباشرة بدون تردد اكيد لا أؤمن بها فالايمان شيء كبير جدا. هدفى ان افهمها حتى استفيد منها هنا او هناك اما الايمان فاننى مؤمن باشياء كثيرة ورثتها من والدى رحمه الله و بعضها اقمت عليه فعلا الدليل لنفسى و اننى لا اريد ان اثقل كاهل ايمانى (المثقل) بشيء اضافى مثل هذه الهندسة غير-التبديلية او نظرية الوتر او غيرها.
فكل تلك اشياء تعرف و يجب ان تعرف و تقبل و قد تكون مفيدة جدا اذا عرفت لكن لماذا يجب ان تكون ايمانا لا يتزعزع و لا يتزحزح.
وهذا الفصل بين الايمان و المعرفة اظن نجح فيه العقل الغربى نجاحا كاملا.
ثم هناك أمر آخر مغاير لكن مرتبط لا يستطع العقل العربى الفصل بينهما. وهو الفصل بين الفيزياء و الموضوعية العلمية من جهة و الميتافيزياء و الالتزام الميتافيزيقى من جهة اخرى. فعندما نكتب فى الفيزياء فالموضوعية العلمية تحتم علينا ان نلتزم بالفيزياء اما عندما نكتب فى الميتافيزياء فهى ميتافيزياء و فيزياء معا لأن اغلبها تفسير و تأويل و ترجيح تفرضه الموضوعية الفلسفية.
واقول ان من لا يستطيع ان يفصل بينهما فعليه اذن لا يخلط بينهما من الاساس.
اما من يستطيع ان يفصل بينهما فلم لا. فالمسؤولية فى الاخير على القارئ ان يعرف الكتابة الفيزيائية المحضة من الكتابة الميتافيزيقية فهما فعلا مختلفتان.
وايضا على من لا يتحلى بالموضوعية العلمية و الموضوعية الفلسفية لماذا يفترض مسبقا ان غيره لا يتحلى ايضا بهما!!!
وآخر نقطة يُخلط فيها العقل المسلم الجزائرى هو عدم التمييز بين الشهادة و التعليم و العلم و الثقافة وعدم ادراك كنه الثقافة و العلم الحقيقى.
فالكل يظن ان التعليم هو العلم و هو الشهادة.
فالكل يجرى وراء الشهادة و لا يهم الطرق.فكل الطرق تؤدى الى روما. و بعضهم او كثير منهم يأخذ الشهادة و هو لا يعرف شيئا فعلا لا فى تخصصه و لا فى اى شيء آخر.
و هنا فى الجزائر الثقافة هى الغناء و التمثيل و الرقص و اى شيء يمر بالتلفزيون و غيره من الاعلام.
وايضا فى الجزائر فان الثقافة هى الرطن بالفرنسية المخلوطة بالعربية بسبب و بدون سبب و اغلبيتها بدون السبب.
فالأمى الذى يعرف كيف يرطن بالفرنسية جيدا -و اعرف امثلة كثيرة- هو المثقف فى اعين اغلبية مواطنيه من الاميين.
واذا كان ذلك الذى يرطن بالفرنسية صاحب شهادة فهذا اكبر و اذا كان مغنى او فى التلفزيون فهذا اكبر من الأوليين.
اذن الثقافة ذهبت فى الغناء و الشباب و الشابات (الذين هم فى عمر الخمسينات و الستينات, اذن هو شاب منذ السبعينات!!) و الرقص و التلفزيونات و الرطانة بالفرنسية التى حورت الدارجة الجزائرية تحويرا جهنميا.
اما العلم فذهب فى تعليم بن بوزيد و بن غبريط و شهادات الماستر و الدكتوراة و الطب الجامعية و مراتب الاستاذ المحاضر و البروفيسور التى اصبحت مطية لكل من هب و دب.
ولهذا السبب و لهذه الاسباب اصبح العقل الجزائرى المسلم مطية لكن من هب و دب من الافكار و الافكار المضادة من الشرق و من الغرب و من الشمال و من الجنوب و من السماء و من الارض بدون اى مقاومة تذكر سوى (صحانية الوج و القفازة و البريكولاج و القباحة).

Comments