فرضية بولتزمان و شوتز


ومن اقوى النماذج الفيزيائية التى تحل معضلة السهم فى الزمن هى فرضية بولتزمان Boltzmann و شوتز Schuetz التى تسمى الفرضية اللاسببية الانطروبيكية acausal anthropic hypothesis و قد تكلمت عنها عديد المرات من قبل.
فى هذه الفرضية هناك عالم قديم لا نهائى متوازن حراريا و هناك اكوان محدثة نهائية تتخلق من التوازن الحرارى عبر قوانين الفيزياء المعروفة.
اذن هذه الفرضية هى حل وسط بين القدم و الحدوث.
نحن نعيش فى احد تلك الاكوان اى التقلبات الحرارية. مثلا فى التقلب الحرارة العميق فى الصورة الذى يحتوى على النقطتين A و B. و هو تقلب حرارى عميق بالمقارنة مع التقلب الحرارى الآخر الذى يحتوى على النقطة C لانه يقابل قيمة انطروبى منخفضة جدا يمكننا ان نأخذها مساوية لقيمة الانطروبى المنخفضة جدا التى نجدها فى الانفجار الاكبر (وهذه ايضا تكلمت عنها من قبل). الانفجار الاكبر هو قاع التقلب عند رأس المثلث.
نحن موجودون فى النقطة A فى الصورة فى حالة صعود نحو التوازن الحرارى للعالم القديم (الخط المستقيم الذى يسمى السطح). لاننا نصعد نرى هناك ان الانطروبى يتزايد (المبدأ الثانى) و ان الزمن يتقدم من الماضى الى المستقبل.
لكن كان يمكن ان نكون فى النقطة B حيث ان الانطروبى ايضا يتزايد لاننا نصعد دائما نحو التوازن الحرارى (السطح) اما الزمن فانه فى هذه الحالية يتقدم من المستقبل الى الماضى.
اذن هذا تفسير رائع للسهم فى الزمن بناءا على فيزياء متناظرة تحت تأثير العكس فى الزمن.
فالسهم فى الزمن ليس شيئا موضوعيا بل هو ناجم عن طريقة تموضعنا بشكل اوبآخر فى التدفق فى الزمن.
لكن تصوروا الآن تقلبا حراريا اقرب للسطح. تذكروا ان الانطروبى يعطى الاحتمال. بالضبط لوغاريتم الانطروبى يعطى الاحتمال.
اذن التقلب الحرارى الاقرب للسطح هو التقلب الحرارى الاكثر احتمالا.
هنا تقع الصدمة الحقيقية التى يعتبرها الكثير من العلماء عيبا كبيرا فى هذه الفرضية منهم الفيزيائى الكوسمولوجى الشهير ايدينغتون و الفيلسوف برايس لكننى شخصيا اعتبرها اروع ما فى هذه الفرضية و ربما اقوى ما فيها.
نأخذ تقلب حرارى اقرب الى السطح اذن هو يقع باحتمال اعلى اى عدد من المرات اكبر.
نأخذ النقطة C على التقلب الحرارى الاقرب الى السطح حيث ان هذه النقطة هى فى نفس عمق النقطة A التى تقابل العالم الحقيقى.
النقطة C مثل النقطة A تُعبر عن عالم مثل الذى نجد انفسنا فيه لكن عكس النقطة A فان كل الذاكرة الكونية و الجيولوجية و الانسانية فى النقطة C هى غير حقيقية.
فمثلا الانفجار الاكبر لم يقع لكن يبدو لنا انه وقع و الارض ليس لها ذلك التاريخ الجيولوجى لكنه يبدو لنا فقط انه لها و الانسان لم يتطور لكنه يبدو فقط لنا انه تطور و العقل و اللغة لم ينبعثا من الوعى رغم انه يبدو لنا انهما انبعثا و الانبياء لم يبعثوا حقيقة لانهم لم يوجدوا اصلا رغم اننا نظن انهم كانوا و بعثوا و كل هذا التاريخ الانسانى الذى وقع لم يقع حقيقة بل تخلق و تخلق فى وعينا عندما تخلقنا فى التقلب الحرارى C.
وكلمة (يبدو) اعلاه لا تعنى ان كل تلك الذاكرة غير موجودة بل تعنى انها غير حقيقية. بمعنى أن كل قياساتنا مثلا منسجمة مع وجود الانفجار الاكبر الذى لم يقع لكن تلك القياسات تخلقت هكذا فى التقلب الحرارى C.
فالتقلب الحرارى C هو مثل التقلب الحرارى A فى كل محتوياته لأنه تخلق عند نفس قيمة الانطروبى لكن C تخلق بحيث ان كل شيء فيه هو ذاكرة مزيوفة اما A فانه تخلق بحيث اننا فعلا عبرنا الزمن عبر كل تلك الذاكرة.
والاسوء من هذا ان احتمال C هو اكبر بكثير من احتمال A لانه اقرب الى السطح اى ان الكون المتوهم و المزيوف يقع عدد مرات اكبر بكثير من الكون الحقيقى و بالتالى فان احتمال تخلق الذاكرة الحقيقية هو مهمل تماما امام احتمال تخلق الذاكرة المتوهمة و المزيوفة.
هذا يجده العلماء نقطة ضعف هائلة.
لكن هذا يحل معضلات اخرى كثيرة.
فالماضى فعلا غير موجود. فقط الحاضر موجود و هو يتخلق بصورة مستمرة. اذن معضلة تطابق الهوية عبر الزمن تسقط لانه ليس لدينا هوية فعلا فنحن لسنا نفس الشخص فى كل لحظة.
ايضا الوعى و العقل و اللغة كلها تتخلق ايضا فى تلك التقلبات الحرارية النادرة (بالمقارنة مع عمر العالم) لكن الكثيرة جدا (بالمقارنة مع عمر الكون الذى نراه) بشكل مستمر ليس بسبب المبدأ الانطروبيكى او اى شيء آخر بل بسبب الصدفة المحضة هنا لان العالم قديم و لا نهائى.
الصدفة هنا تلعب دورا فعالا حقيقيا..
معضلة حرية الارادة ايضا تُحل بشكل اوتوماتيكى. فالعالم القديم يحكمه الجبر المطلق المحض الذى هو قوانين الفيزياء. اما الانسان فليس له الا اللحظة التى يعيشها بناءا على التاريخ المزيوف المخلوق فى وعيه. و كل الخيارات ممكنة وفعلا فان الانسان يأخذ كل تلك الخيارات لان ذلك الانسان يتجدد فى كل الاتجاهات المختلفة المتخلقة فى التقلبات الحرارية فى اللحظة الموالية. فهو حر مطلقا من هذه الناحية.
هل هو مسؤول. نعم هو مسؤول فى كل عالم عن خياره.
اذن فرضية بولتومان و شوتز تؤدى الى فرضية عديد العوالم بشكل او بآخر.
وهى فرضية ايضا تحتوى على الخلق المستمر التى يقول بها ابن تيمية كما يقول بها ابن تيمية و ليس كما يقول بها غيره (الغزالى مثلا).
لكنها تؤدى الى الدهرية و ليست الالهية عكس ما يريد ابن تيمية.
المخرج هو وحدة الوجود لابن عربى. فالأكوان اى التقلبات الحرارية هى تجليات لله اى العالم تظهر فى ذاته. اى ان الله هو العالم و ليس اى واحد من تلك الاكوان و العالم هو الله.اذن الله قديم خالق من جهة (العالم) محدث مخلوق من جهة (الاكوان). اى ان الله هو الدهر اى هذا العالم القديم.
اذن فرضية بولتزمان رغم انها تصوير ممتازة للخلق المستمر الا انها اما تؤدى الى الدهرية وهذا هو الصحيح او الى وحدة الوجود و هو تأويل.
ثم ان الاكوان التى تشبه كوننا فيها ماهو حقيقى و فيها ماهو مزيوف. لكن عدد الاكوان الحقيقية مهمل امام عدد الاكوان المزيوفة. والعالم هو الدهر اى الزمن تماما. و كل ماهو موجود فعلا بالنسبة للوعى فى اى لحظة هى اللحظة لا غير.
اذن الصدفة فعلا تخلق لكنها تخلق الوهم و الزيف اكثر مما تخلق الحقيقة و الفعل. وهذا ليس تقييم سلبى فاننى كما ذكرت اعلاه تقييم ايجابى.
وهذا اقوى ماوجدت فى الفيزياء تدعيما لفلسفة الدهرية وهو فعلا قوى جدا.
والذى يرفضه الدهرية و غيرهم فيها من أن التاريخ مزيوف اظنه اقوى ما فيها لانه يحل معضلات الوعى و العقل و الهوية و حرية الارادة بجرة قلم.
أما من المسلمين فاننى لا ارى الا ابن عربى من عبر عن اشياء تقرب من هذا. فكل شيء يفنى فى الله لان كل الاكوان تتطور نحو التوازن الحرارى الذى هو العالم. اى ان الله هو العالم بالضبط و العالم هو الله و هذه هى وحدة الوجود.
شخصيا لا ارى ضعفا فى هذه الفرضية الا فرضية المالانهاية (وهى المقدمة الاولى) و لهذا فاننى لو اردت تضعيفها فاننى سارفض (متابعا فى ذلك التفكير الصافى للغزالى) فكرة العالم القديم عبر رفض فكرة المالانهاية او مايسميها الفلاسفة الدور او التسلسل.
وهذه فكرة جاءتنى عندما اردت ان اجد نموذجا فيزيائيا للخلق المستمر كما يقول به ابن تيمية- اى ان الله غير معطل عن الخلق وهى فكرة صحيحة فى نفسها- فوجدت نفسى وصلت الى فكرة الدهر القديم بشكل مختلف جدا و قوى جدا ثم لم اجد فى فلسفة ابن تيمية اى شيء يمكن استعماله لتضعيف هذه الفرضية لانه لا يرفض الدور و التسلسل و يقبل المالانهاية.
اما قضية الاكوان المزيوفة مقابل الاكوان الحقيقية فهذا يشبه فكرة اننا نعيش اذن فى محاكاة عددية وهذا من اكثر الافكار جذبا لى لانها تحل اشياء اخرى مترابطة (الثنائية عقل-جسم, الوعى, الروح, الموت, حرية الارادة) مرة واحدة.

Comments