بين الغزالى و ابن تيمية مرة اخرى

الغزالى فى نفسه متشكك بالفعل فى امكانية ان يُبنى الايمان على العقل لكنه يحمى القارئ من تشككه هو كشخص و يقدم له بناءا متناسقا عقليا لايمان السلف.
أما ابن تيمية فهو مشكك فى امكانيه ان يُبنى الايمان على العقل و لا يقدم اى حماية للقارئ من هذا الشك و كل ما يقدمه هو بناء الايمان على قول السلف لانهم افهم و اعلم.
والغزالى هو استاذ عبد القادر الجيلانى و الجنيد فى التصوف.
وعبد القادر الجيلانى و الجنيد هم اساتذة ابن تيمية فى التصوف.
والغزالى صريح فى تصوفه و اتباعه يجدون هذا افضل ما فيه وشخصيا ارى ان هذا اسوء ما فيه لانه هو الذى ادى الى استقالته العقلية.
وابن تيمية غير صريح ابدا فى تصوفه و اتباعه يرون التصوف اشنع تهمة يمكن ان تلتصق به. اشنع حتى من تهمة التجسيم التى لا يكترثون لها ولهذا فهم يتعمدون اخفاء كتابه عن التصوف.
والغزالى حاد الذكاء دقيق الفهم جدا فى الامور العقلية عميقه. أليس هو فعلا الذى تمكن من ابن سينا!
وابن تيمية رغم ذكائه الحاد و علمه الموسوعى فهو غير دقيق او على الاقل مبهم فى كثير من الامور العقلية.
وهذا لأن الغزالى الشافعى الاشعرى تتلمذ فى الفلسفة و الكلام على فحل آخر هو امام الحرمين ابو المعالى الجوينى الذى تتلمذ بدوره على فحل آخر هو ابوبكر الباقلانى.
اما ابن تيمية الحنبلى السلفى فكل علمه فى الكلام و الفلسفة تعلمه بنفسه عبر الفخر الرازى.
اذن الذى له اساتذة فحول ليس كمثل من ليس له استاذ الا نفسه. وعمق و دقة الفهم لا يتأتى الا بالذكاء الحاد و الاستاذ المختص ذى الذكاء الحاد و ليس باحدهما دون الآخر.
اما فى الحديث فان الغزالى باعه فيه قليل فقد صرف جل حياته كفاحا ضد الفلاسفة و الباطنية ولم يلتفت له الا عند نهاية حياته و مات و البخارى على صدره.
اما ابن تيمية فى الحديث فقل من يجاريه حتى قيل الحديث الذى لا يعرفه ابن تيمية ليس بحديث.
اما فى الفقه فالغزالى مجتهد مجدد و ابن تيمية مجتهد مجدد كلاهما خارج المذهب.
اما فى اصول الفقه فالغزالى احد الرواد الاوائل وقد اختطفه من ايدى المعتزلة. أما ابن تيمية فان كل ما يعرفه فى اصول الفقه اخذه من الفخر الرازى الذى اخذه من الغزالى.
اما السياسة فان الغزالى كان على مذهب الحسن البصرى -الحياد السلبى و ليس الايجابى- و كل جهاده كان فكرى خاصة ضد الباطنية و اخوان الصفا و الحشاشون و القرامطة. و معارضة هؤلاء كانت تهديدا لحياتك فالامر ليس هينا لكنه قام به دون ان يكترث ليس لانه كان تحت حماية الخليفة العباسى لكنه لانه شجاع (مثلا الشهرستانى لم يكتب ابدا عن الحشاشين خوفا على حياته).
اما السياسة فان ابن تيمية اول حركى عرفه العالم الاسلامى اذن فهو ليس يقينا على مذهب ابى السنة الحسن البصرى فى هذا. فقد دخل فى صدامات عديدة متكررة مع الانظمة المملوكية و الايوبية و غيرها و دخل السجن مرات عديدة لاسباب سياسية مغلفة بالفكرية او العكس. و قد جاهد بالسيف ضد المغول و العلوية النصيرية التى تحكم اليوم سوريا. فهو شجاع لا شك فى ذلك ابدا.
والغزالى هو اول و آخر من تسمى بحجة الاسلام وهو مجدد المائة الخامسة باجماع.
وابن تيمية ليس هو اول و لا اخر من تسمى بشيح الاسلام لكننا اليوم لا نعرفه الا هو شيخا للاسلام وهو بكل انصاف شيخ شيوخ الاسلام.
ومن كل خصوم ابن تيمية نجد الا الغزالى و ابن حزم من يحترمهم ابن تيمية فعلا لانه فى كل كتاباته لا يسميهم لكن يكنيهم بكناياتهم ابى حامد و ابى محمد.
لو قارنا بالاوروبيين فان ابن تيمية المشكك يشبه هيوم اما الغزالى المتشكك فيشبه كانط. لكن الغزالى أتى قبل ابن تيمية اما كانط فانه اتى بعد هيوم.
وهنا تتوقف المقارنة.
هل هناك فعلا فرق بينهما. نعم و لا.
لكننى اظن اليوم ان الحل لا هو غزالى و لا هو تيمى فالتاريخ تجاوزهما معا. ولهذا فان الحماس التيمى السلفى بالخصوص و الحماس الغزالى الصوفى الذى مازلنا نراه من حين الى آخر لن يقدم و لن يؤخر فى محصلة الامور اليوم. اذن هو حماس لا يعنى شيئا فعلا و ليس بذى معنى تماما فلا داعى اذن اليه او على الاقل فلتتحكموا فى عواطفكم يا اهل السنة من السلفية و الاشعرية.
لكن يبقى الغزالى و ابن تيمية ذراعا اهل السنة و الجماعة اللذان يبطشان بهما و هذا تنبيه و تحذير للخصوم. فانك لا تستطيع ابدا ان تمر الى حوزة اهل السنة دون المرور عبرهما. والمرور عبرهما ليس سهلا ابدا بل صعب جدا جدا. واننى شخصيا احاول ان امر عبرهما (ورغم ان مرورى ليس سلبيا بل ايجابيا لاننى لست خصم) الا اننى لم استطع الى غاية يومنا هذا و ربما لن استطيع ابدا.

Comments