واتذكر انه عندما كنت طالبا للدكتوراة

واتذكر انه عندما كنت طالبا للدكتوراة فى جامعة سيراكوس نيويورك كنا فى مسجد الطلبة بالجامعة عربا و فرسا و اتراكا..
واغلبية العرب هم سعوديون مبتعثون لكن هناك عدد لا يستهان به ايضا من المصريين و الجزائريين و الفلسطينين و غيرهم..
وكان الفرس منعزلون فى كل شيء..وكنت أميزهم بالتربة الحسينية التى يأتون بها وقت الصلاة و لا يصلون معنا الجماعة و غيرها من الصفات المخصوصة بهم غير هذا فهم مؤدبون جدا لكن لا يخالطون و لا يختلطون..
اما العلاقة بين الاتراك و العرب غير-الخليجيين فكانت عموما دافئة جدا جدا..وكنا ننشط داخل المصلى -او مسجد الجامعة الذى هو فى الطابق الارضى من كنيسة الجامعة- فى اطار (جمعية الطلبة المسلمون لشمال امريكا)..
وعندما وصلت الى الجامعة كانت الهيئة المسيرة لهذه الجمعية فى اغلبها تركية مع بعض العرب..
لكن الاخوة السعوديون -لانهم مرتاحون بدون اى ضغوط او مشاغل اخرى حقيقية تشغل عليهم بالهم وهو نفس وضع الاتراك فهم ايضا فى اغلبهم مبتعثون لكن الخليجى مرتاح اكثر ماديا و اسريا عكسنا من البؤساء فى الارض من الجزائريين و المصريين-...
اذن الاخوة السعوديون ارتأوا ان يأخذوا الادارة من تحت ايدى الاتراك فهم فى وعيهم اللاشعورى يعتقدون انهم (وليس العربى ضرورة) افضل من التركى (وافضل من غيرهم من العرب) وانهم (اى السلفى وليس السنى بالضرورة) افضل من المتصوف وافضل من الاشعرى وافضل من الماتريدى..اما الشيعة فلا تتحدث عنهم فهم اسوء شيء الروافض..
فكل تدين الاتراك و قد خبرته عن قرب -وبعض اصدقائى من المقربين كانوا اتراك- هو تدين روحانى صوفى عميق..اما تدين السعوديين -و بقية العرب الذين اخذتهم الموجة فى ذلك الوقت و اننى كنت واحدا منهم- فهو تدين وهابى ظاهرى لا روح فيه..
فالروحانى يريد ان يتقرب من الله اما الظاهرى فيريد ان يدخل الجنة و هذا فرق شاسع..
لكن ثقة الاتراك المتصوفة الماتريدية فى انفسهم وفى دينهم كانت ايضا عميقة جدا..
فقد كان يأتى ايضا عدد ضخم من الطلبة من ماليزيا تغلب عليهم ايضا نزعة التصوف فكان يشككهم السعودى فى دينهم و يقول لهم ان هذه بدعة و ان هذه بدعة وان هؤلاء ليسوا سنة و ان هؤلاء مبتدعة و ان الغزالى مبتدع و ان البيهقى اخطأ و ان النووى لا يفهم و ان الرازى ساحر و هكذا..
فكان يتشكك الماليزي المسكين و دينه افضل لكن التركى ابدا لا يتزعزع تماما....
اذن قرر السعوديون أخذ ادارة جمعية الطلبة من ايدى الاتراك فقاموا بانقلاب علمى (مصطلح بعض اقطاب جبهة التحرير عندنا: كيف يكون الانقلاب علمى?)..
اذن قام السعوديون بانقلابهم ضد الاتراك و جروا معهم كل العرب واننى كنت واحد من المجرورين وكان الانقلاب فى اطار انتخابات حرة لكن ليست نزيهة (مثل التى عندنا)..
وحتى يتجنب الاتراك الصراع فانهم انسحبوا تقريبا من الصراع لحكمة فقط هم كانوا يعلمونها..
واصبح مجلس الطلبة عربى يتزعمه مصرى فى الواجهة..ووضعونى امين المال و اننى من ابعد الناس عن الادارة و التسيير و كل هذه الحركيات العقيمة قديما و حديثا ..
لكننى قمت بذلك و الله مجاملة و ليس اقتناعا باى شيء فان السياسة و النقابة و الحركة لا تستهوينى ابدا..
واقول الآن ان افشل المجالس التى سيرت جمعية الطلبة المسلمين لشمال امريكا كان هذا المجلس..
فان كل ذلك الانضباط و النشاط المعهود على يد الاتراك اصبح تسب و خمول على عهد العرب من السعوديين و المصرى و الجزائرى..وذهب ليس فقط ادراج الرياح لكن ادراج النسيم العليل..
وهذا هو الفرق بين العرب و الاتراك و الفرس..
الفرس يريد العزلة و عندما ادخل انفه منذ عهد صديقنا اسماعيل الصفوى المتصوف فانه يريد هلال شيعى..اذن من الافضل ان يرجع الى عزلته..
الاتراك جنس واحد متجانس منسجم..وهذا ايضا حال الفرس..لكن الاتراك عكس الفرس جنس ايجابى متفاعل منذ القديم و متفاعل ايجابيا كما سلبيا و ليس فقط سلبيا كما الفرس..
اما العرب فاجناس عديدة متنافرة و دولهم طوائف كبرى بعد ان انتهينا و ظننا اننا انتهينا من عهد طوائف الاندلس...
ففيهم آل البيت و فيهم تميم و فيهم هلال و فيهم امازيغ المتعرب و أمازيغ المتبربر وفيهم الكرد وفيهم اجناس اخرى كثيرة يستبعد تماما ان تتفق على شيء الا ان ينجح احدهم نجاحا ساحقا تخضع له رقاب الآخرين (مثلما نجحت امريكا فخضعت لها كل الاجناس الانجلوفونية وغيرها و من بينهم أمهم انجلترا) و لكن حتى هذا مستبعد..
وقد يقول قائل (وقد قالوا) اننى سوداوى و متشائم فى تحليلاتى لكن اظن نفسى فقط واقعى فالواقع هو الذى سوداوى و متشائم و اننى لا افعل الا ان احاول ان اعبر عنه...

Comments