بين عمر و على رضى الله عنهما

يروى شيخ السنة و أهل الحديث البخاري رحمه الله عن قتادة أن أنس بن مالك رضي الله عنه حدثهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد أحداً وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فقال: اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان.
وهؤلاء مع على بن ابى طالب كرم الله وجهه و العشرة المبشرين بالجنة افضل الصحابة قاطبة بالاجماع و ايضا بالاستقراء التاريخى.
وعمر بن الخطاب رضى الله بالخصوص رجل مُلْهم -كما ذُكر فى حديث آخر- من ذوى الكرامات المثبتة ترجع اليه صيغة الآذان التى نعرفها اليوم وكذا صلاة التروايح -التى هى سنة عمرية اكثر منها سنة محمدية- و لديه دور عظيم فى جمع القرآن و باع طويل فى الحديث و الفقه و نظرة ثاقبة الى الوجود -فهو الذى قال فيما معناه ياليتنى كنت مكان هذه التبنة و لم أكن- وله ايضا باع طويل فى المشورة و الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه و سلم وايضا فان اغلب البلدان العربية من عراق و مصر و شام و افريقيا و مغرب قد فتحت كلها فى عهده ودولته رضى الله عنه.
وهو مقبول من الكل. السنة باطيافها كلها من اشعرية و ماتريدية و سلفية و صوفية و مالكية و شافعية و احناف و حنابلة بدون استثناء.
وهو مقبول ايضا من اخطر و اكثر طوائف الاسلام قاطبة تطرفا الخوارج بكل طرقهم من ازارقة و صفرية و اباضية. وهى الطائفة التى قال جدها للرسول صلى الله عليه و سلم -وهذا من اغرب ما تقرأ فى السنة و السيرة-: اعدل يا محمد فانك لم تعدل. فرد عليه الرسول صلى الله عليه و سلم: واذا لم اعدل انا فمن يعدل!!.
اذن الخوارج -او جدها- تشك فى عدل الرسول لكنها تقبل عمر وهذا من اغرب التناقضات.
فالقاعدة المقبولة عقلا ان هناك معصوم واحد هو المصطفى صلى الله عليه و سلم و غيره و اولهم ابى بكر و ثانيهم عمر و ثالثهم عثمان و رابعهم على غير معصومين و قد اخطأوا وهذا فقط من طبيعة الامور.
فالعصمة مفردة اخرى فى هذا الوجود لا تجب الا فى نبى و هذا لسبب الوحى و ليس لسبب آخر.
وعمر بن الخطاب رضى الله عنه مقبول ايضا عند المعتزلة و لو انهم تعاملوا مع سيرته بحرية و انفتاح اكثر من تعامل اهل السنة. لكن هذا مقبول جدا خاصة اذا فهمنا موضوع العصمة و ايضا فهمنا ايضا موضوع الصحبة وهى كرامة لا يستهين به الا قليلوا العقل.
ونفس الامر بالنسبة للارجاء و غيرها من الفرق الاخرى..
اما الشيعة فقد وقع فيها تداخل كبير بين رأى المعتزلة المقبول و آراء اخرى اقل ما يقال فيها ان الكثير من السنة و غيرهم يجدها جارحة لعواطفهم و مشاعرهم الجياشة تجاه عمر.
والسبب مرة اخرى هو الحكم و الخلافة اى سياسى و ليس دينى. لكن التشيع غلفه فى قالب دينى ثم نحت السنة منحاهم. وهى بعد التحقيق مسألة خلافية غير مهمة بالمرة خاصة بعد كل هذا التاريخ.
فالشيعة تقول ان النبى نص صراحة على الخلافة لعلى فى غدير خم وان ابى بكر تعدى على حق على مر ثم جاء عمر و تعدى مرتين اخريين على حق على. وكل هذا يعرفه الكل و كل مذهب يُرجح بشكل مختلف حسب ما توارث عليه.
اى ان الشيعى سيرجح الروايات الشيعية لانه ولد شيعى اما السنى فيرجح الروايات السنية لانه ولد سنى. وهذا ليس بترجيح ابدا لانه رأى الآباء الذى توارثه الابناء مثل قوم ابراهيم و قوم محمد و غيرهما من اولى العزم.
الجديد الذى اقدمه هنا هو محاولة تحليل نفسى على طريقة المعتزلة فى نقطتين:
- اولا و بغض النظر عن حديث الغدير لماذا وضع عمر المشورة فى الستة و لم يعطها مباشرة لعلى. ثم لماذا الخمسة فى الاخير توافقوا على عدم تولية على.
اذا كان لعلى كرم الله وجهه فعلا الاحقية الالهية فقد خرق اذن هؤلاء امرا إلهيا و منه فان الاسلام كله مبنى على الباطل.
اما اذا كان لعلى كرم الله وجهه فعلا الاحقية النبوية -وان الاحقية النبوية هى رأى فقط للنبى و ليس امرا إلهيا- فاذن هؤلاء لم يأخذوا برأى الرسول. وهذا ايضا يصعب قبوله عقليا لان فيه تشكيك كبير ايضا فى اصول الاسلام.
الحل الوحيد الذى اراه ان الصحابة لم يفهموا اى اسبقية لعلى وهذا حتى بافتراض ان هناك اسبقية له.
-نرجع الآن الى حديث غدير خم و رأى السنة فيه. هنا نجد خلط هائل. فالحديث ضعفه ابن حزم و ابن تيمية و هما فحلان فى الحديث. لكن صحح متنه فحلان آخران هما الذهبى و ابن حجر. اذن السنة أنفسهم لا تدرى ماذا تفعل بهذا الحديث.
أما الحديث فهو ينص على ان (من كنت مولاه فعلى مولاه). ماذا نفهم من هذا. هل نفهم ان على هو خليفة رسول الله صلى الله عليه و سلم. هذا لم يفهمه الصحابة فى عصرهم. لماذا يا ترى? هم ليسوا بمعصومين، اذن اكثر ما يمكن ان نقوله هنا انهم اخطأوا الفهم لكن لن نقول ابدا انهم تآمروا على الحق, فهذا قول غير معقول و هو يتهدد عصمة الاسلام نفسه.
لكن هل نفهم من هذا الحديث ان على كرم الله وجهه معصوم مثلما ان محمد صلى الله عليه و سلم معصوم و ان الامامة تجب فى ابنائه. كلا أبدا فهذا فهم من ابعد ما يكون عن ظاهر نص الحديث.
اذن الصحيح ان الصحابة قد اتفقوا على اشياء معينة حسب ما فهموا من الامر وقد يكون هناك طموح شخصى من بعضهم -فهذا غير مستبعد فهم بشر غير معصومين- لكن لا يمكن ابدا تصور تواطؤ من جانبهم على اخفاء الحق الذى لا مراء فيه.

Comments