نموذج رياضى للتواؤمية

واعتقد ان الجبر و التجبير هو من اقوى الآراء الفلسفية رغم نفور العلماء و الفلاسفة منه بسبب علمهم و تبحرهم و نفور العامة منه بسبب سطحيتهم و تذاكيهم..
والقول به يتطلب شجاعة حقيقية..
ولا نعرف الا الجهم بن صفوان فى الاسلام من قال به..
و مازال يحتفى السنة بقتل بنى امية له لاسباب سياسية زاعمين ان قتله كان لاسباب بدعية..
ولو لاحظنا فان القول بالجبر المطلق يعنى الالغاء التام للمسؤولية امام الله (بالنسبة للالهيين) و لربما هو الالغاء التام لضرورة الاعتقاد فى الله..فاذا كنت مجبرا غير مسؤول على شيء ثم افترضت ان الله موجود و عاقبك على افعالك التى انت غير مسؤول عنها فهذا يعنى ان المفهوم نفسه -مفهوم الله- غير ذى معنى حقيقى..
وايضا فان الجبر يلغى تماما فكرة الدهرية الاساسية ان الوجود نفسه كوجود يحتوى على عناصر ايجابيته و بنائيته..
لانه اذا كنت غير مسؤول عن اى شيء فان تكون اسوء شخص على ظهر الارض كما ان تكون افضل شخص على ظهر الارض فهما سيان ما الفرق و هذا ايضا ليس بذى معنى..
اذن الجبر المحض ينقذنا من اهوال العقاب الدينى و كذا العقاب الدنيوى كما انه يجعل المثاب الدينى كما المثاب الدينى لا معنى لهما لانها الصدفة المحضة التى تجعلك تصل الى ذلك المثاب لا شيء آخر فانت مجبر..
وقد قال الجهم بالجبر المحض فبدعته السنة..
وقد قالت السنة بالجبر المتوسط او ما يسمى التواؤمية و كما ان الجبر المحض يلغى سطوة العقاب و المثاب دينى او دنيوى فان الجبر المتوسط يخفضهما ايضا حتى لو أصر اهل السنة على غير ذلك..
فالسنة الغزالية فهمت فعلا المعضلة و فهمت ان القرآن نفسه و بالتالى الاسلام نفسه تواؤمى فى مجمل نصه فحاولت التوفيق..
اما السنة التيمية فهى غير واضحة و تنعت من باب القدح السنة الغزالية بالجهمية..
وكل الناس تسمى الشنة الغزالية جبرية..وهذا ديدن الامر منذ بداية التاريخ الى يومنا هذا..من قال بالتواؤمية فهو جبرى عند خصومه..اذن لنحتضن مصطلح الجبر و ننتهى من هذه التهمة التى نرمى بها فى كل حين..
اذن اذا كان الجهم قال بالجبر و السنة قالت بالجبر المقنع..
فماذا اذن فعل فعلا الجهم بن صفوان ليستحق كل هذا التنديد..
ثم السؤال الثانى هو ان الموضوع ليس فيه اى مهرب فاما ان تقول بالجبر المحض كما قال الجهم او تقول بنوع من التواؤمية كما قال بقية المسلمين و منهم حتى المعتزلة فهم تواؤميون على الارجح و كل ذلك الحديث عن خلق فعل العباد هو مبالغة فى الامر ..
فقط الفلاسفة تحرريين فعلا و ربما المعتزلة ايضا لا يهم فهى ليست جريمة..
اذن اين سيذهب ابن تيمية فى هذا الموضوع..يضحك على الغزالى و الاشعرى من جهة و يضحك على المعتزلة و الفلاسفة من جهة اخرى..
فهو يقينا بين الامرين و عليه فهو ايضا تواؤمى حتى لو ضحك على الغزالى..
وهو قد تكلم صراحة عن مصطلح الجبر و قال لا نرفضه مطلقا فهو ذكى جدا يعرف اين يضع رجله و كيف يضعها..
واظن ان ابن القيم و هو أول و آخر التيمييين الحقيقين فهم هذا الامر جيدا (فهو عبقرى ايضا) و لهذا فهم ان الثواب و العقاب ليسا بمطلقين و قال بفناء النار وهى ايضا احدى افكار الجهم البدعية الاساسية..
اذن فعلا ماذا فعل الجهم..هو قال بالجبر فقلتم بالتواؤمية التى هى تخفيف للجبر..وقال بفناء النار فلم يتجرأ على القول بها عند السنة الا امامهم الثانى ابن القيم ربما متابعا لشيخه فهذا ايضا غير مستبعد..
والضحك و الاستهزاء فى هذا الامر مستشرى..
فكانط التحررى يضحك على ليبنيز و هيوم التواؤميان ..وهى قصة اخرى سنحكيها فى يوم آخر...
وليبنيز صاحب الموناد monad يضحك على الجوهر الفرد الفلسفى و على الذرة الفيزيائية و الموناد ليس شيئا آخر الا جوهر فرد و لو انه من اغرب البناءات العقلية التى يمكن ان تقرأ عنها لانها من بنات افكار ليبنيز العبقرى الذى قرأ ارسطو باكمله وفهمه قبل ان يتجاوز ال 12 من العمر فذلك كان قرآنه..
ومن اشهر الفلاسفة الذين قالوا بالجبر المحض و هو من اشهر الفلاسفة قاطبة هو سبينوزا استاذ ليبنيز..الذى قال ايضا بالمونيزم وهو وسط ايضا بين المادية و المثالية..
ونظيره عندنا ابن عربى (وهو عبقرى فذ من نوع آخر) الذى قال بوحدة الوجود و هى نظير المونيزم السبينوزى و قال ايضا بالجبر المحض على التحقيق بقوله بفكرة الفناء فى الله و ان كل شيء يجرى نجو الله قسرا و قهرا (النقطة اوميغا الكوسمولوجية-الكمومية التى ناقشتها فى منشورات سابقة)..
اذن الجبر ثم التواؤمية ثم التحررية..
اما التحررية فالميكانيك الكمومى يسمح لنا بالبرهان عليها فى مبرهنة لكونواى Conway وهو رياضى عبقرى و كوشن Kochen (ترقبوا الشرح التفصيلى ان شاء الله) التى تنص انه اذا افترضنا البديهيات الثلاثة التالية:
-بديهية السبين Spin..وهى تخص السبين او عزم اللف و خواص رصده فى الميكانيك الكمومى (هذه هى مبرهنة كوشن-سباكر)..هنا يدخل السبين و الرصد الكمومى..
-بديهية التوين Twin..وهى تخص التشابك الكمومى اى امكانية وجود جمل رغم انها مشكلة من جسمين او اكثر الا انها تتصرف فعلا و حقيقة و كانها جسم واحد ووحيد...هنا يدخل التشابك الكمومى..
-بديهية الفين Fin..وهى تخص السببية الفعالة effective causality اى السببية الناجمة عن النسبية الخاصة و التى تنص على ان هناك سرعة قصوى (ليس بالضرورة سرعة الضوء) لانتشار للمعلومات..وهذه البديهية لا يمكن التحقق منها تجريبيا مباشرة....وهنا تدخل النسبية التى فى الفيزياء تعنى ضمانها للسببية..
اذن اذا افترضنا ان بديهيات السبين و التوين والفين هى بديهيات صحيحة فاننا يمكن ان نبرهن مباشرة ان الانسان و الجسيم الاولى يتميزان بخاصية مشتركة هى بالضبط الارادة الحرة..
وهذا من اعجب ما يمكن ان يقرأ على الاطلاق!!!
اذن الميكانيك الكمومى يقول انه اذا كان الانسان الحر فان الجسيم الاول ايضا حر و بنفس المعنى..
الآن حان دورى لاستنتج شخصيا الأتى..
لان الجسيم الاولى لا يتميز بوعى اذن هو ليس بحر يقينا فالانسان رغم انه يتميز بوعى الا انه هو الآخر مثل الجسيم الاولى ليس بحر..
اما من ناحية علوم العصبونات و علوم الاستعراف فكل التجارب (وهى تجارب) تؤكد التواؤمية و قد تكلمت عن هذا بالتفصيل من قبل و لا اريد ان اكرر..
اذن فى تلك التجارب لو تذكرتم فان كمون التهيؤ readiness potential فى الدماغ يبدأ فى التصاعد قبل ان يصبح الشخص قيد التجربة واعى باختياره الذى يختاره (وهو فقط رفع اليد) بمحض ارادته اى قبل ان يصيح العقل واعى بالفعل.
اليوم اعطى نموذج رياضى جديد (اظنه اول مرة يقترح بهذا الشكل) للارادة التواؤمية..
نأخذ جسيم اولى هو الالكترون الذى يخضع للقوة المهرومغناطيسية..
من خواص القوة الكهرومغناطيسية انها تضعف من اجل المسافات الطويلة ..اذن يصبح الالكترون حر من اجل هذه المسافات..اما من اجل المسافات القصيرة فانه من المعروف ان نظرية الالكتروديناميك الكمومى-التى تصف الكهرومغناطيسية الكمومية عند هذه المسافات- تنهار لانها تلاقى ما يسمى قطب لانداو Landau pole..اذن الالكترون غير معرف اصلا من اجل المسافات القصيرة جدا..
تصورزا الانسان فى المجتمع هو الكترون..
اذن القوة الكهرومغناطيسية تعطى الفهم الحدسى لحرية الارادة الذى نمتلكها كلنا..لما يكون الفرد بعيدا عن كل مؤثرات المجتمع و بعيد عن بقية الافراد فهو فعلا حر (حى بن يقظان)..لكن لما تضيق الدائرة حول فرد ما عن طريق اقتراب المجتمع (الاقتراب المجازى بالحقوق و الواجبات) منه بشكل مفرط فانه تصرفه يصبح غير معرف..
اظن هذا فهم حدسى و الحدس ليس هو المعيار ..
بل على العكس..
اظن ان الكوارك و هو جسيم اولى آخر لكنه نووى يخضع للقوة النووية القوية يعطى نموذج افضل بل النموذج الحقيقى لتصرف الانسان..
الكوارك يخضع للقوة النووية القوية مثلما ان الالكترون يخضع للقوة الكهربائية..
اما القوة النووية القوية فهى تتميز بشيئين غائبين تماما فى القوة الكهربائية..
اولا من اجل المسافات الطويلة فان الكوارك يعانى من شيء يسمى الحبس اللونى color confinement اى ان القوة النووية القوية تتزايد بشدة و يصبح الكوارك محبوس تماما داخل الحالات المرتبطة التى يعيش فيها..وهذا فعلا عكس الحدس..
اما من اجل المسافات القصيرة فان الكوارك يعانى من شيء اسمه الحرية المقاربة asymptotic freedom اى ان القوة النووية القوية تصبح ضعيفة جدا و يصبح الكوارك حر..
اذن الكوارك يعيش بين الحرية المطلقة (الحرية المقاربة) من اجل المسافات القصيرة و الجبر المطلق (الحبس اللونى) من اجل المسافات الطويلة..انظر الصورة..
وهذا هو الانسان فى الكون فهو بين الحرية المطلقة من اجل المسافات القصيرة (فهو مسيطر اكثر كلما ضاقت الدائرة حوله من الدولة الى المجتمع الى القرية الى الاسرة) و بين الجبر المطلق من اجل المساقات الطويلة (من الاسرة الى القرية الى المجتمع الى الدولة الى الكون)..
وهذا هو نموذجى الرياضى للتواؤمية..
فالانسان مثل الجسيم الاولى تواؤمى..
والانسان حقيقة و فى الاخير لا هو حى (مجبر) و لا هو يقظان (حر)..


Comments