التاريخ النباض او ثورة الابناء الدائمة على الآباء



وفكرة التاريخ النباض فكرة تشبه فكرة الكون النباض الذى ابتدأ بانفجار اكبر وتوسع ثم يرجع الى انكماش و سحق اكبر..ثم بعد ذلك مرة اخرى انفجار اكبر وتوسع ثم انكماش و سحق اكبر وهكذا الى مالانهاية..
فى التاريخ نبدأ اذن من السلف..
و ربما افضل من كان يمثلهم الحسن البصرى رحمه الله الذى عبر عن نظرية شاملة متوازنة وسطية للدين و التاريخ منذ عهد وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم..
وأهم اجزاء تلك النظرية النظرة الى الملاحم و كيف يجب التعاطى معها بموضوعية و تجرد....
ومن اهم عناصر هذه النظرية احتضان الائمة ابتداءا من على كرم الله وجهه كجزء جوهرى من السلف مع تعظيم للصحابة و عدم الوقوع فيهم و خاصة ام المؤمنين عائشة (فكيف يقع الانسان فى أمه فما بالك بأم المؤمنين حتى لو جنت و اخطأت) و كذا تعظيم الشيخين ابى بكر و عمر و غيرهما و التأول لهما فى ما اشتبه علينا..
وكان مع السلف موازيا لهم الشيعة منذ القديم..
والفرق الاساسى هو هذا..
فالشيعة تزيد فى تعظيم آل البيت الى حد التقديس و العصمة و تنقص من تعظيم ابى بكر و عمر و عائشة الى حد الانتقاص و الانتقاد...
اذن السلف نظرتهم الاساسية للملاحم هى الاحتضان لكل الاطراف اما الشيعة فهم حددوا موقفهم بصراحة مع على الى حد الانتقاص و الحط من الطرف الآخر...
وهذا هو المعيار الاساسى الذى جعل السلف هم أغلبية دائما و الشيعة اقلية دائما عبر كل التاريخ..
فالشعب المسلم لحبه و تعظيمه للرسول صلى الله عليه و سلم صدق نظرية السلف فى الملاحم و لم يصدق نظرية الشيعة..
فهو يرى السلف يحب كل الاطراف المتصارعة و يتأول لهم اما الطرف الثانى فهو يحقد فعلا على طرف ليس بالهين ابدا بل من اعظم الاطراف فهم الصديق و الفاروق و ام المؤمنين..
ولان الحكام لا يهمها الا مصلحتها فانها رأت مصلحتها فى اتباع الشعب و ترضيته و لو فى هذا الامر الذى لا يقدم و لا يؤخر فى صيرورة الحكم ابدا...
و لهذا السبب ايضا فان اغلب الخلفاء و الحكام كانوا دائما سنة حتى تمكن الفرس من رقاب العرب...لكن اغلب الحكام و الخلفاء بقوا ايضا سنة فى كل البلاد -وهى اغلب البلاد- البعيدة عن التأثير الفارسى..
اذن ابتدأ الاسلام بالنبى..
ثم بالسلف و ممثلهم الاسمى و الارفع كما قلت كان الحس البصرى رحمه الله..
وكما هى عادة الابناء فى الثورة على الآباء فان واصل بن عطاء لم يرضه اداء الحسن البصرى و لا نظريته فى الملاحم و غيرها من النظريات العقدية الاخرى فاعتزله و خرج عليه و تشكل بذلك الاعتزال الذى هو اعظم حركة فكرية حرة فى الاسلام..
حركة يجب ان نعترف لها انه لم يحكمها الا العقل و لم يهمها كثيرا لا السلف و لا الائمة..
وصال و جال الاعتزال لقرنين او اقل لا ينازعه احد..
ثم لا ادرى ماذا دهى احد اقطاب الاعتزال الجبائى فذهب و تزوج ارملة محدث صوفى -وهى خلطة خطيرة لو كان يعلم- و كان له ربيب منها هو ابى الحس الاشعرى..
فدرس الاشعرى الاعتزال و برز فيه لكنه ثار فى الاخير على زوج امه..
واذا كان الابناء يثورون على الاباء فهل نتوقع من الربائب اقل من ذلك بل بالاحرى يجب ان نتوقع منهم اكثر و هذا الذى حدث فعلا وهو اذن امر طبيعى..
فخروج الاشعرى على الجبائى هو بداية الانهيار للاعتزال الذى انهار نهائيا بعد ذلك بعد قصف من جاء بعد الاشعرى لحصونهم و دكها دكا و اكبرهم الغزالى..
وقد حاولت الحنبلية التشكيك فى سلفية الاشعرى قرونا طويلة دون طائل حتى جاء ابن تيمية الذى اراد التشكيك ليس فقط فى سلفية الاشعرى لكن فى سلفية كل اهل السنة و الجماعة نفسها..
وهو صراع آخر قديم داخل اهل السنة و الحماعة هذه المرة لم ينتهى كغيره من الصراعات الى يومنا هذا..
لكن الاشاعرة سيطروا لقرون طويلة بعد ذلك تزامنت مع عصور الاضمحلال حتى ظننا ان السنة تعنى التخلف..
ثم جاء عصر النهضة..
وابتدأه جمال الدين الافغانى الاشعرى..
وكعادة الابناء فى الثورة فان تلميذه محمد عبده ارتأى الاعتزال و لو بصمت وفضله على مذهب الاشاعرة..
وتتواصل ثورة الابناء على الآباء فيأتى رشيد رضا و يرتأى هو الآخر مذهب السلف على مذهب الاعتزال عكس اختيار شيخه محمد عبده..
وهى ظاهرة صحية طبيعية جميلة دائرية..
ابتدأناها بالسلف ثم المعتزلة ثم الاشاعرة...
ثم دار التاريخ..
ورجع الاشعرى الى مذهب المعتزلة ثم رجع المعتزلى الى مذهب السلف..
فهذا هو التاريخ النباض..
لكن بعد ذلك وقع الانحراف (الاخوانى-الاستقلالى) و التحريف (السلفى-الوطنى) لاسباب غير واضحة...
وهذا الانحراف الذى نعيشه اليوم يشبه الملاحم التى حدثت بعد وفاة الرسول..
وكما ان الملاحم احتاجت الى نظرة الحسن البصرى الاحتضانية فان هذا الانحراف سوف يحتاج الى نظرة احتضانية اخرى مثلا السنية الديكارتية او غيرها مما يخبأه الله فى علم الغيب..
لكن من الجهة الاخرى فان هذا الانحراف هو انقطاع للتاريخ الطبيعى مرة اخرى ولو الى حين مثلما ان الملاحم كانت انقطاع للتاريخ النبوى حتى برز و تبلور مذهب السلف الصحيح..
وهذه نظرة اخرى شخصية جدا للتاريخ الدينى..
وهو تاريخ مهم جدا جدا..فاننى افهم كل شيء آخر عبر هذا التاريخ..
ولمن لا يهمه الامر لا مشكلة..
اما من يهمه الامر فاننى اذكر ان هذا الذى قلته هو اختيارى الشخصى حسب ما يمليه عليه ضميرى واننى احسب نفسى غير متعسف..

Comments