السببية الخلفية

من الواضح ان وضعنا الحالى يتعلق بماضينا..بعبارة اخرى الحاضر الذى نعيشه هو كان نتيجة حتمية للماضى الذى عشناه..هذا هو اتجاه السببية المباشر direct causation..
لكن هل يمكن لوضعنا الحالى ان يكون ايضا متعلق بما سيقع لنا فى المستقبل...
بعبارة اخرى هل يمكن للمستقبل الذى لم نعشه بعد ان يكون مؤثرا فى حاضرنا الذى نعيشه الآن..هذا هو اتجاه السببية الخلفية backward causation...
الجواب الذى تعطيه النظرية الكمومية او بالاحرى بعض تفسيراتها (التفسير المعاملاتى transactional interpretation لكرايمر Cramer و برايس Price) هو نعم ممكن بل هذا هو المرجح ان يكون عليه الواقع فعلا..
والجواب الذى يعطيه مبدأ التناظر تحت العكس فى الزمن و كذا النسبية هو أكيد نعم..فلا فرق بين الاتجاه المباشر و الاتجاه الخلفى للسببية لانه لا فرق بين السهم الموجب و السهم السالب للزمن...
والسببية الخلفية فى هذا الاطار تعنى ايضا ان مبدأ البراءة (الذى ينص على ان البراءة تسبق التجربة اى ان الاجسام مستقلة عن بعضها البعض حتى تتفاعل) يجب ان ينهار على الاقل فى العالم الميكروسكوبى..
اذن الاجسام التى ستلتقى مع بعضها البعض فى المستقبل هى اجسام مرتبطة حتى لو لم تكن قد التقت مع بعضها البعض فى الماضى..
ولهذا السبب بالضبط فان السببية الخلفية سوف تتجنب ما يسمى حجة الغش bilking argument احد اهم الحجج فى فلسفة السببية التى تنص على ان الأجسام المرتبطة من دون ان يكون احدهما سببا للآخر يجب ان يكونا لهما سبب مشترك فى ماضيهما المشترك..
السببية الخلفية تتجنب هذه الحجة بالقول ان الاجسام مرتبطة ليس لوجود ماضى مشترك بينهما لكن لوجود مستقبل مشترك بينهما..
اذن السببية الخلفية لن تؤدى الى اى تخلف للاسباب عن المسببات رغم اسمها...
اذن الواقع يحتوى على الاتجاهين للسببية و نحن لا نلحظ فى عالمنا الماكروسكوبى الا الاتجاه المباشر مثلما اننا لا نلحظ الا الاتجاه الموجب للسهم فى الزمن..
لكن العالم الميكروسكوبى اى الذرى فهو يحتوى على الاتجاهين على قدم المساواة..
ومبرهنة بال Bell's theorem الكمومية تفترض فى اساسها مبدأ البراءة او ما يسمى فى هذا النسق ايضا بفرضية الاستقلالية independence assumption التى تنص على ان حالة الجملة لا تتعلق بالقياس الذى سوف يُجرى عليها..
ثم ان بال فكر فى ارخاء هذه الفرضية عن طريق افتراض ان حالة الجملة غير مستقلة عن القياس و الرصد الذى سيجرى عليها بسبب ماضى مشترك بينهما... فوجد بال نفسه ان هذا سيؤدى به مباشرة الى الجبر اذ انه لا توجد اى حرية للراصد فى رصد ما يريد فحالة الجملة محددة تماما بالرصد الذى سيجرى عليها وليس هناك حرية حقيقية للراصد و لهذا رفض الفكرة..
لكن اصحاب التفسير المعاملاتى يقولون دعنا نرخى فرضية الاستقلالية فى الاتجاه الآخر بافتراض ان حالة الجملة تتعلق بالقياس و الرصد الذى سيجرى عليها لأنهما سيتفاعلان فى المستقبل..
وهذه هى السبيبة الخلفية من اين جاءت..
هم يدعون ان هذه الفرضية سوف تجعل الميكانيك الكمومى واقعى و موضعى و انه علينا فقط قبول التناظر تحت العكس فى الزمن (وهذا سهل جدا), رفض مبدأ البراءة (وهذا سهل/صعب نوعا ما) و قبول السببية الخلفية (وهذا صعب جدا)..

Comments