بين ليبنيز و نيوتن: مسلسلى السنوى

ومن أجمل و أعمق و أروع الصراعات الفكرية فى التاريخ الصراع بين ليبنيز و نيوتن فى ثلاثة مواضيع عظيمة تليق بعظمتهما الفكرية: الفلسفة و الرياضيات و الفيزياء ...
أما فى الفيزياء فنيوتن افضل من ليبنيز يقينا.. فنيوتن هو السيد بلا منازع فهو أفضل فيزيائى عرفه التاريخ افضل حتى من اينشتاين ..فهو الفيزيائى المثالى بحق الذى ابتدأ بجرة قلم كل الفيزياء التى نعرفها اليوم بالطريقة التى نعرفها اليوم..
ومن أهم انجازاته فكرة الفضاء-زمن المطلق الذى هو مسرح كل الفيزياء و ماكان للفيزياء ان تتطور بالطريقة التى تتطورت بها بدون فكرة الفضاء-زمن الثابت الذى تحدد فيه الحركة المستقيمة المنتظمة على أنها حركة المعالم العطالية بالنسبة لهذا الفضاء والحركة المتسارعة مستقيمة او دائرية على انها حركة المعالم غير العطالية بالنسبة لهذا الفضاء وتعطى فيه قوى الثقالة بقانون الجذب العام..
هذا الفضاء-زمن النيوتونى مستقل تماما عن كل شيء و عن كل علاقة و ايضا عن المادة و عن الوعى ...فهو فى وجوده اذن لا يحتاج الا نفسه فهو اذن قائم بذاته..
أما فى الرياضيات فان نيوتن و ليبنيز متساويان فى القوة تماما..وأهم ما يبين هذا الامر بما لا يدع اى مجال للشك اكتشافهما للتحليل -اى علم التفاضل و التكامل- فى نفس الوقت تقريبا ثم صراعهما بعد ذلك -او بالاحرى صراع اتباعهما- على من له الاولية فى الاكتشاف..وهى مسألة يصعب الترجيح فيها الى يومنا هذا..
ومن الطرائف التى تُحكى ان اتباع ليبنيز ومنهم برنولى Bernoulli لم يستوعبوا تماما قدرة نيوتن الحقيقية فى الفيزياء و الرياضيات وأنه فعلا أكتشف التحليل فأرسلوا له فى لندن مسألة كتحدى ليحلها..وهى مسألة لا يمكن حلها الا باستعمال قواعد التفاضل و التكامل و بالخصوص حساب القيم الصغرى للتكاملات..
هذه المسألة التى تعرف اليوم باسم البراكيستوكرون Brachistochrone (اى ماهو المنحنى فى المستوى بين نقطتين الذى تسقط عبره كتلة تحت تأثير قوة الثقالة فقط) قلت هذه المسألة لم تأخذ فى يد نيوتن اكثر من أمسية واحدة حيث حدد المنحنى على انه السيكلويد cycloid..
ثم نُشر الحل من قبل اتباعه تحت أسم مستعار مباشرة فهو نيوتن لا يحتاج اى شيء...الرجل شبعان فكريا فعلا!...
و عندما رأى برنولى الحل تعرف الى نيوتن و انه لا يمكن لأحد آخر فى بريطانيا ان يحله الا نيوتن و قال: نحن نعرف الاسد من مخالبه..
أما فى الفلسفة فان نيوتن عيال على ليبنيز..وعلينا عدم لوم نيوتن هنا..فان 99 بالمائة من الفلاسفة العظام هم أنفسهم عيال على ليبينز..فليبنيز هو ثالث العمالقة العقلانيين بعد ديكارت و سبينوزا..
ومن أهم التحديات الفلسفية التى رفعها ليبينز فى وجه نيوتن (و لم يُنجى نيوتن الا نجاحه الساحق فى الفيزياء النظرية) هو ماهية الفضاء-زمن نفسه...
فان ليبنيز كان اول الرافضين لفكرة الفضاء-زمن المطلق القائم بذاته و قدم نظرة موازية هى الاساس الثانى لغاية يومنا هذا فى هذا المجال و هى فكرة الفضاء-زمن العلائقى..
فالفضاء حسب ليبنيز هو مجموع الاشياء و علاقاتها و الزمن حسب ليبنيز هو مجموع الاشياء و ترتيبها..
و بالتالى فان الفضاء-زمن ليس قائم بذاته و لكنه يحتاج الى الاشياء و علاقاتها فى وجوده..
من اجل تفصيل مستفيض انظروا على المدونة فلسفة كانط حول الفضاء-زمن التى يرد فيها على الفلسفتين معا المطلقية absolutism و العلائقية relationism وهى من اصعب منشوراتى على الاطلاق اذن انتبهوا و احذروا...
اذن نظرة ليبنيز للفضاء-زمن هى النظرة الاساس للفضاء-زمن النسبى الذى جاء به اينشتاين بعد ذلك بقرون..فكما ترون فان اينشتاين نفسه عيال على ليبنيز وفكرته ليست جديدة فهو أخذها من ماخ Mach و ماخ اخذها من عند استاذهم جميعا هؤلاء الالمان العباقرة ليبنيز..
و من الطرائف التى تذكر حول الصراع الفلسفى بصفة عامة بين ليبنيز
ونيوتن ان ليبنيز كان يقول لكلارك Clark -وهو الممثل الرسمى لفلسفة نيوتن فى بريطانيا والذى كان يراسله ليبنيز- كان يقول لهما ليبنيز: انتما تستخدمان ألفاظ باستسهال شديد للتعبير عن مفاهيم فلسفية معقدة جدا تحتاج الى دقة شديدة و تحديد اشد و لهذا فاننى لا اعرف كيف يجب ان أتعامل مع أفكاركم!..
وهذا يذكرنى بالصراع بين بعض فلاسفتنا حيث ان بعضهم فعلا مثل نيوتن يستخدم اللغة بشكل و يستسهل استخدامها فى اشياء معقدة جدا..
ونيوتن عموما فى ميتافيزيقيته كان ظاهرى جدا فكان مثلا يقول ان الله سبحانه و تعالى يجب ان يكون فى الفضاء-زمن المطلق..
لكن نيوتن ايضا يتميز من بين كل العلماء المسيحيين الغربيين بالتوحيد حيث انه رفض التثليت (انظروا منشور قديم لى حول هذا الامر)..
واختم بخصوص نيوتن بالقول ان نيوتن لم يتزوج أبدا و كان ايضا وزير المالية فى الحكومة البريظانية لسنوات طويلة و هذا أجده غريب جدا لكنه نيوتن أليس كذلك فاستغرابى هو الغريب اذن..
اما بخصوص ليبنيز فاننى اختم بأجمل فكرة قرأتها فى الفلسفة على الاطلاق وهى من بنات افكار ليبنيز وهى فكرة اللغة الكونية universal language التى تختزل كل احكام المنطق و ما هو أعم منه العقل الى الحساب الذى لا يعتمد الا على الاعداد الطبيعية..
اذن لو توفرنا على مثل هذه اللغة (والمنطق الفلسفى الحديث ربما هو خطوة فى هذا الاتجاه) فانه يمكننا مثلا البرهان على الميتافيزيقا مثلما اننا نبرهن على الفيزياء و سيتم حسم كثير من المعضلات القديمة مثلا وجود الله من عدمه او وجود الارادة او الجبر و غيرها من المعضلات التى لا نجد فيها الى يومنا هذا الا قيل و قالوا...

Comments