كيف تولف بين المستحيلات?


نأخذ كنموذج الامام الاشعرى الذى تعرض الى ضغوط عديدة هائلة متناقضة ادت به الى الخروج بمذهب توفيقى تلفيقى عجيب من اغرب التوليفات بين الوحى و الفلسفة التى وجدت فى التاريخ..
فهو قد تعرض لضغط المعتزلة عبر استاذه الجبائى و تعرض لضغط ابن حنبل عبر حنابلة بغداد المشاغبون..
و تعرض لضغط النظام الذى كان مائلا للمعتزلة فى ذلك الوقت بسبب ميل المأمون الشخصى و ليس لسبب آخر و تعرض لضغط العامة التى بطبعها تميل الى الظاهر و السلف..
و تعرض لضغط زوج امه الذى هو استاذه الجبائى نفسه و تعرض لضغط تراث ابيه المتوفى الذى كان محدث و متصوف..
و تعرض لضغط العقل فيه بحكم تكوينه الاعتزالى الصارم و تعرض لضغط الايمان فيه لأنه روحانى بميله الفطرى كأبيه..
فماذا يفعل بكل هذا..
هنا نجد روايتين...
الاولى تقول انه رجع تماما عن مذهب الاعتزال الى مذهب الحنابلة كرد فعل نفسى أولى..ثم تفكر و تدبر فوجد انه لا يستطيع تقبل كثير من تجسيم و تجبير الحنابلة تحت مسمى السلف كما انه لم يستطع تقبل كثير من تعطيل و تحرير المعتزلة تحت مسمى العقل..اذن رجع الى الوسط وولدت هكذا الاشعرية..
وأزيد و اقول -وهو رأيى الشخصى- ماذا كان سيجنى الاشعرى من اتباعه للجبائى او من اتباعه لحنبل فهو تابع هنا تابع هناك اما اتباعه اجتهاده فقد جنى منه الكثير فهو انجح المذاهب الاسلامية الكلامية قاطبة..
اما الرواية الثانية فتقول انه رجع من مذهب الاعتزال الى الوسط فاصاب نصف الحق ثم رجع بالكامل الى مذهب الحتابلة فاصاب الحق كله..وهذا هو الرأى الذى يحبذه الجنابلة و يروجون له ابتداءا من ابن تيمية..
ومرة اخرى هناك عاملان نفسيان مهمان جدا نطرحهما كتساؤلين...
اولا ماذا كان سيجنى الاشعرى من اتباعه لحنبل بعد اتباعه للجبائى نصف قرن من حياته و لم يجنى شيئا? هل فعلا نتوقع ان الاشعرى ليس له طموح...فالعصمة ات تجب الا لنبى و الاشعرى ليس نبى فهو شخص يصيب و يخطئ...
ثانيا عندما تكون على رأى و تحدث لك ردة فكرية عنيفة ضده -اذا كانت لكم تجربه كهذه- يا هل ترى هل ستبتعد نصف الطريق عن ذلك الرأى الذى كنت عليه ام ستذهب الى نقيض الرأى الاول تماما?
اذن اترك لكم الاجابة و اترك الترجيح بين الرواية الاشعرية وهى القصة الاولى و الرواية الحنبيلة و هى القصة الثانية فى كيفية رجوع الاشعرى عن مذهب الاعتزال..
والحنابلة تعتقد ان القصة الثانية اذا كانت صحيحة هى تضعيف للاشاعرة و على ما يبدو فان الاشاعرة ايضا يعتقدون ذلك..
وبغض النظر عن هذا الخلاف فانه لا يوجد مذهب كلامى يحتوى على هذا القدر الشامل و العميق من التوليف المركب و التلفيق العجيب و التوفيق بين المتناقضات كما يحتوى مذهب الاشعرى..
هذا التوليف الذى حققه خلال ثلاثة اجيال فقط الثلاثى الامام الباقلانى و تلميذه امام الحرمين الجوينى و تلميذه حجة الاسلام الغزالى..
اما الفخر الرازى فهو محاولة للتلفيق بين هذا الثلاثى و بين ابن سينا و هى قد تؤدى الى قدر معتبر من الخلط فى المفاهيم لان الغزالى ليس ابن سينا و ابن سينا ليس الغزالى فهما فعلا شيئان مختلفان ...رغم هذا فان الفخر الرازى شجاع فحل فقد حاول و لا اظنه وُفق..
ولربما هذا ما جعله انجج المذاهب لغاية يومنا هذا لتلفيقه بين الفقه و الحديث و الكلام و الفلسفة و التصوف و هذا رغم تحول العراق للتشيع خلال الفترة العباسية الاخيرة و خسارة ايران للشيعة خلال الفترة الصفوية و خسارة الخليج و كثير من بلاد العرب للحنبيلة خلال فترة الطفرة النفطية..
وهذا النجاح الممتد فى الزمان و المكان -رغم الارتدادات بخاصة الاخيرة- هو الذى يجعل العبقرى ابن حزم يمقت و ينتقد الاشعرى لان ابن حزم يظن نفسه اذكى و اعمق و ارسخ من الاشعرى -وهو فعلا كذلك - لكن الاشعرى انجح بمقاييس فلكية مقارنة به..وهذا مرة اخرى تحليلى الشخصى..
و السبب بكل بساطة هو مرة اخرى ذلك التوفيق و التلفيق بين الفقه و الحديث الذى يميل اليه العقل النقلى و الكلام و الفلسفة الذى يميل اليه العقل العقلى و التصوف الذى يميل اليه العقل الذوقى..
هذا التوفيق و التلفيق الذى يُرضى الخاصة لانه يعطيهم المنطق و ارسطو و البرهان و التنظير كما يرضى العامة لانه لا يمنع التصوف عن من يريد و لا يلزمهم الا بما التزم به السلف (كما وصف الغزالى ذلك فى كتبه قانون التأويل و الاقتصاد فى الاعتقاد و الجام العوام عن علم الكلام او الاشعرى فى كتابه المقالات الذى كان قبل الطحاوية و هو ادق من الطحاوية فى صياغة عقيدة السلف)..
فهذه هى الحقيقة التاريخية ذكرتها لكم كما وقعت و لم ازد فيها شيئا..
فهذا مثال ناجح عن التوليف المركب الشامل العميق الذى يمكن ان ينجح..
ومع هذا فاننى اتوقع ان يُساء فهمى مرة اخرى...
فكثير من العقل العربى يتعامل مع اى فكرة تطرح عليه بمنطق انك تريد ان تدلس عليه و تموه عليه و تخدعه...
اذن اقول لهؤلاء احذروا منى فاننى اريد ان اخدعكم و اموه عليكم!!

Comments