الفلسفة العربية الحديثة: توجه أدبى و ضعف فى التفكير العقلى


يقول الجابرى فى تقديمه لكتاب تهافت التهافت لابن رشد بخصوص الغزالى:
1-شوش على العلم و اضر بالحكمة...
2-العالم من المنظور الفلسفى اليونانى كل مترابط كله ترتيب و نظام..وكل تغيير يطرأ على جزء منه لا بد ان ينعكس على الكل..
3-اما افتراضات الغزالى فهى افتراضات ذهنية تقوم على التجويز و هو المبدأ الأشعرى المعروف..
انتهى الجابرى من قصفه.
وهذا مأخوذ من كتاب الطائى القيم.
اما الجملة الاولى فواضحة استمتعوا بها -او كل من يحقد او ينفر او فقط مستاء من الغزالى و هم كثر جدا فى النخب-.
اما الجملة الثانية فهو يبرر موقف ابن رشد و ابن سينا و قبلهم ارسطو الذين كانوا يقولون ان العالم يتشكل من اربعة عناصر تفسد هى الماء و الهواء و التراب و النار و من عنصر واحد لا يفسد هو الاثير ..وأن الشمس و غيرها من الاجرام السماوية على العكس من الارض تتشكل من الاثير..وعليه فان الشمس لا تفسد و لا تذبل..ثم يذهب هؤلاء العمالقة و يدللون على موقفهم بعلم جالينوس..
بكل بساطة القول بان هناك عنصر فى هذا العالم -وهو الاثير- لا يفسد و لا يذبل هو متناقض مع مبادئ المتكلمين و الغزالى كونه اقوى ناطق رسمى للمتكلمين فى مصاف الفلاسفة انفسهم -باعتراف الاوروبيون انفسهم مثلا راسل الذى يقول فيه كلام جارح مثل الجملة الأولى للجابرى اعلاه- قلت الغزالى يقدم نقد شامل لجالينوس نفسه وجدت اقوى ما فيه ضربه للمثال التالى:
وهذا كما ان الياقوت و الذهب مركبان من العناصر عندهم وهى قابلة للفساد ثم لو وضعت ياقوتة مائة سنة لم يكن نقصها محسوسا فلعل نسبة ما ينقص من الشمس فى مدة تاريخ الارصاد كنسبة ما ينقص من الياقوتة فى مائة سنة وذلك لا يظهر للحس.
اه
اذن الغزالى يقول ان كوننا لا نرى الشمس تنقص بحواسنا لايعنى انها لا تنقص فعلا فهذا يرجع ربما الى كون عمر الشمس المتوسط كبير جدا جدا جدا بالمقارنة مع اعمارنا..
وهذه فعلا النتيجة الفيزيائية المعاصرة فالشمس نجم عمره الآن 5 مليار سنة و ستعيش 5 مليار سنة اخرى و هى تفقد فى الثانية الواحدة ما يقارب ال 3600 مليون طن من كتلتها..اذن هى فعلا تذبل و تفسد لا مناص من هذه النتيجة و فعلا حواسنا لا تدرك ذلك الفساد و ذلك الذبول لان عمرها بالمليارات و عمرنا بضع عشرات و عمر الانسانية بضع الاف و خلال هذه الالاف فان الشمس لم تتغير كثيرا لان الالاف مهملة امام المليارات من السنوات..
اما ابن رشد فهو ارسطى فهو سيدافع عن ارسطو الذى تابع فى هذه المقولة جاليونس..ثم جاء الجابرى و برر لجالينوس على حساب النتيجة العلمية البسيطة..
واننى لا الوم ارسطو و لا جالينوس لانهم قاموا بادوارهم تماما لكننى اكيد الوم الجابرى و اتأسف مرة اخرى لموقف ابن رشد..
ودعنى احاول ان اشخص الموقف هنا..
اظن ان الصراع الفكرى الرشدى ثم التيمى الذى جاء بعده ضد الغزالى هو صراع تمترس و ليس صراع بحث عن الحقيقة..
فابن رشد يعترض على كل نقطة جاء بها الغزالى بدون استثناء واحد و هذا هو تعريف التمترس..
ولا يمكننا يقينا ان نقول نفس المقالة عن صراع الغزالى الفكرى مع ابن سينا و الفلاسفة....فالغزالى قبل مقالات كثيرة للفلاسفة ضمنها كتابه مقاصد الفلاسفة..فهو قبل تماما الرياضيات و المنطق و الطبيعيات بصفة عامة -باستثناءات مثل التى ذكرناها اعلاه لانها تعارضت مع احدى مسلماته الاساسية- و هو قبل ايضا من الفلاسفة تطبيق القياس فى الالهيات رغم تحذيره الدائم انه لا يمكن الوفاء به فقياس الغائب على الشاهد قد يؤدى الى محاذير كثيرة لان الغائب ليس كمثله شيء..
اذن الجملة الثانية للجابرى اعلاه هو تبرير من الجابرى لابن رشد و جالينوس -و كأنهما طلبا منه ذلك- ضد الغزالى و اسوء من هذا فهو تبرير ضد العلم الصحيح اليقينى نفسه...
وهنا اضيف و اقول ان معضلة الفلسفة العربية الحديثة الاخرى ان كل من يعمل بها هم من اهل الادب رغم انها اقرب الى العلم منها الى الادب خاصة الفلسفة التحليلة الانجلوساكسونية التى هى المعيار و التى هى الوحيدة التى يجب ان يعتد بها..
اذن تدريس الفلسفة عندنا يطغى عليه الادب الذى لا يعرف ابسط الابجديات فى الرياضيات و الفيزياء و المنطق..
ثم ان اغلب الذين يتوجهون الى الفلسفة بالاضافة الى كونهم ذوى طابع ادبى هم من اضعف الطلبة من الناحية العقلية التنظيرية -فهؤلاء اى الاقوياء يذهبون للطب حتى ان تخصصات الفيزياء و الرياضيات الاكثر عقلية لا تتوفر عليهم-..
اذن اجتمع على الفلسفة العربية الحديثة التفكير الادبى مع الضعف العقلى..
ودليل على هذا الذى ذكرته آخرا هو الجملة الثالثة اعلاه للجابرى..
فهو يلوم الغزالى لانه اعتمد على الافتراضات الذهنية (وهذه هى طريقة الفلسفة اصلا أليس كذلك: ماذا لدينا غير الافتراض ثم الاستنتاج من ذلك الافتراض-سبحان الله) اذن هو يلوم الغزالى على تلك الافتراضات الذهنية التى تعتمد على مبدأ التجويز..
وهو لا يعلم ان الفيزياء الكمومية الحديثة قد اسقطت الضرورات السببية الحتمية و عوضتها بالضرورات السببية اللاحتمية و هذا هو مبدأ التجويز احدى اعمق مسلمات الغزالى و علم الكلام الاساسية الصحيحة تماما بالمنظور العلمى المعاصر..
وهذا فقط لحسن حظنا او حسن حظ علم الكلام او حسن حظ الثقافة العربية لكن لا احد يريد استغلال هذه الحظوط الحسنة الثلاثة التى حبانا بها الله سبحانه و تعالى لتطوير فلسفة اسلامية اصيلة -وهو مصطلح الجابرى نفسه فى مكان آخر واصفا علم الكلام نفسه فماذا حدث له هنا أهى لوثة الرشدية غلبت حياديته الموضوعية-..
اذن الغزالى هو الذى شوش على العلم و الحكمة..
اذن رجعنا الى المربع الصفر و نفرنا منكم اجمعين ايتها الفلسفة العربية الحديثة التى مازالت تريد نقد العقل العربى -واظنهم يقصدون الغزالى- و ربما الغزالى هو آخر العقل العربى و هم لا يعلمون...

Comments