كريستيان وولف

كريستيان وولف Christian Wolff هو أكبر فيلسوف ألمانى الذى جاء بين الفيلسوف الرياضى ليبنيز و الفيلسوف الثانى بعد ارسطو كانط, و وولف هو آخر الفلاسفة العقلانيون الكبار بعد ليبنيز, وهذا لاننا لا نستطيع ان نحتسب كانط الذى هو مثالى متسامى ليس بعقلانى محض و لا بحسى محض, و وولف غير معروف جدا فى الاوساط غير الفلسفية بالضبط لنفس السبب اى وقوعه بين الفيلسوفان العملاقان ليبينيز و كانط اى بين نجمان مضيئان جدا غطى نور فلسفتهما كل شيء حولهما.
أما لماذا اردت ذكر وولف اليوم فلأنه هو الشخص المسؤول بمفرده عن تحويل ألمانيا و الألمان من الكتابة باللاتينية الى الكتابة بالألمانية فى البحث و التدريس فى الجامعة.
فليبنيز كتب كل شيء باللاتينية تقريبا رغم اتقانه للالمانية اما كانط فقط كتب كل شيء باﻷلمانية تقريبا رغم اتقانه لللاتينية و وولف الذى جاء بينهما و كان اصغر منهما فلسفيا كان مثل الجسر اللغوى الرابط بينهما فقد كتب باللاتينية و الالمانية وبكثافة و على قدر سواء.
وهذا مثال كيف يمكن لشخص واحد بمفرده لو تهيأت الظروف الملائمة ان يحدث تغيير لغوى عميق.
لكن الامر نجح فى المانيا لسببين..
اولا لأن الطبقة المفكرة و المثقفة للالمان كانت منغمسة تماما فى العلم والفلسفة ولم يكن لها هم نفسى مرهق و لا كبت مجتمعى طاغى و هما الاثباتان اللغويان لحساب الالمانية على اللاتينية او العكس لحساب اللاتينية على الألمانية. اى انها طبقة مع ذكائها و عبقرتيها لم تكن تعانى من اى صراع لغوى تماما.
وثانيا لغياب الانفصام اللغوى فى الدولة و المجتمع فالانفصام كان فقط فى الدوائر الفكرية و العلمية و الفلسفية فتمكن ووولف لوحده من احداث القفزة فى هذه الدوائر باقناعها ان الكتابة باللغة الالمانية فلسفة او فيزياء او رياضيات لا تقل عمقا بالكتابة بغيرها بل على العكس قد تزيد -وقد اثبت كانط ذلك بالفعل فيما بعد- فاقتنعوا لانهم كما ذكرت اذكياء و عباقرة اصلا.
اذن لا تتوقعوا امكانية احداث نفس القفزة عندنا لان طبقتنا هى طبقة عادية زد عليه هى منغمسة فى الهم النفسى و مستهلكة فى الكبت المجتمعى و ايضا لان الانفصام عندنا هو فى الدولة اولا قبل ان يكون فى الطبقة المثقفة وهم اولا و اخيرا الذين تسببوا فى كل هذه النكسات و النكبات للمجتمع.
ولو قرأنا التاريخ من عهد نوميديا مع قرطاج و روما الى عهد الاسلام مع العرب و البربر الى عهد الاتراك الى عهد فرنسا فهذا المجتمع كان دائما يُقاد بطبقة من الحكام و المثقفين تعانى من نفس هذه المشاكل, وهذا ما لا يلحظه الكثير و من يلحظة لا يريد ان يقر به.
فالمشكلة قديمة جديدة متجددة.

Comments