المبدأ الأنطروبيكى او المبدأ البشرى: ليس فى الامكان احسن مما كان!



لماذا وُجد و يُوجد الانسان الآدمى او الهوموسابيان على الارض فى هذا الوقت بالضبط من عمر الكون وليس فى وقت آخر?
هذا سؤال فيزيائى بامتياز و ليس ميتافيزيقى كما يبدو لأول وهلة..
والجواب استعصى حتى توصل الفيزيائيون الى ما يسمى بالمبدأ الانطروبيكى او المبدأ البشرى anthropic principle.
الفيزيائى النظرى و الكوسمولوجى ديكى Dicke لاحظ فى عام 1961 انه لو كان عمر الكون اقل بعشرة مرات من عمره الحالى لما تمكنت الحياة و بالتالى العقل من الظهور على سطح الارض لانه لما كان هناك وقت كافى لتشكل الكربون و هو اهم عنصر مكون للحياة.
ولو كان عمر الكون اكبر بعشرة مرات من عمره الحالى لكانت الشمس كنجم قد ماتت و لكانت الحياة على الارض قد انقرضت معها..
اذن وجود العقل ووجود الانسان ووجود الحياة على الارض يتصادف مع العمر الذهبى فى حياة النجوم ومنها الشمس التى هى كلها نجوم تقع على ما يسمى السلسلة الرئيسية main sequence اى النجوم الشابة فى منتصف عمرها.
السؤال اعلاه لماذا الانسان موجود على ظهر الارض فى هذا الوقت بالذات من عمر الكون و ليس فى وفت آخر يُصاغ فى الفيزياء عن طريق التساؤل لماذا تأخذ القوانين الفيزيائية شكلها الحالى و ليس شكلا مختلفا و تأخذ الثوابث الطبيعية (سرعة الضوء و ثابت بلانك و ثابت نيوتن و ثابت بولتزمان) القيم التى تأخذها بالضبط و ليس قيما اخرى.
وقد لاحظ الفيزيائيون ان هذه الثوابت تحقق ايضا فيما بينها علاقات عددية لا تتحقق الا فى هذا الوقت بالذات من عمر الكون.
فمثلا استخدم واينبرغ المبدأ الأنطروبيكى لتبيان ان الطاقة المظلمة -او ما يسمى ايضا بالثابت الكوسمولوجى- والتى تقتطف حوالى 70 بالمائة من كتلة الكون لوحدها لو كانت قيمتها اكبر قليلا من قيمتها الحقيقية لكان عانى الكون من تضخم inflation كارثى يمتنع معه تشكل النجوم و الحياة و الانسان و العقل.
اذن الثواب الفيزيائية هى مدوزنة بدقة fine tuned (اى مضبوطة مثل الذى نفعله للسيارة) بحيث تسمح بوجود الحياة, فمثلا لو كان ثابت اقتران القوة النووية الكبرى اكبر قليلا لكان الانصهار النووى ادى الى تحويل كل الهيدروجين فى الكون البدائى الى الهيليوم و لما كانت هناك امكانية لتشكل الماء الضرورى للحياة.
اذن اى تغيير فى قيم ثوابت اقتران القوى الكونية الاربعة كان سيؤثر فى عمر الكون و بنيته و قدرته على تحمل الحياة.
اذن المبدأ الانطروبيكى ينص على ان الشروط التى وجد ويوجد عليها الكون هى بالضبط بحيث يمكن للحياة و الوعى و العقل ان تتواجد على ظهر الارض فى هذا الوقت بالضبط. و هذا الوقت يتزامن بالضبط مع العمر الذهبى للنجوم التى هى على السلسلة الرئيسية مثل الشمس. أما فى اى وقت آخر فان الحياة العاقلة لا يمكن اصلا ان تتواجد على ظهر الارض حتى ترصد هذه الثوابت الفيزيائية. اذن هذه المصادفة بين قيم الثوابت الفيزيائية و ووجود الحياة العاقلة ضرورية اصلا لوجود الحياة العاقلة التى سوف تقيس هذه الثوابت.
والمبدأ الأنطروبيكى سمى كذلك من طرف الفيزيائى النجمى براندن كارتر Brandon Carter عام 1973 الذى وضع هذا المبدأ لمعارضة المبدأ الكوسمولوجى المثالى perfect cosmological constant الذى ينص على ان كل النقاط فى الكون و كل الازمان فى الكون متكافئة والذى كان فى اساس النموذج الكوسمولوحى الذى سبق نموذج الانفجار الاكبر و الذى كان يعرف باسم نموذج الحالة الساكنة steady state universe و هو نموذج عالم قديم (انظر منشورى حول هذا الموضوع من افضل ما كتبت منذ سنة او اكثر).
لكن المبدأ الانطروبيكى هو معارض ايضا للمبدأ الكوبرنيكى copernican principle الذى ينص على ان الارض ليست مركز الكون. و قد نبه كارتر الى ذلك بالقول: رغم ان موقع الارض فى الكون ليس مركزيا لكنه مميز. اذن الانسان رغم انه ليس محورى فى الكون الا انه محظوظ.
ولربما باستعمال هذا المبدأ الانطروبيكى يمكن لنا ان نفهم لماذا يقرن القرآن دائما خلق السماوات بخلق الارض رغم علمنا ان الكون اعظم بكثير من الارض. الجواب ربما هو ان المبدأ الانطروبيكى الذى ينص على ان الارض فى الاخير مميزة و محظوطة رغم انها ليست مركزية و محورية. اذن الحياة العاقلة ضروري ان توجد فى هذا الوقت بالضبط لانها لا يمكن ان توجد الا فى هذا الوقت حتى تبصر الثوابت الفيزيائية بقيمها التى تسمح لها اصلا بالوجود.
وهذا المبدأ ايضا هو شبيه جدا بما يقوله الغزالى انه ليس فى الامكان ابدع مما كان. فهذا الكون فى هذا الوقت من عمره بالضبط -العصر الذهبى- هو المجال الوحيد لامكانية وجود الانسان العاقل الذى يمكنه ان يتأمل هذا الكون و نفسه و يقيس الثوابت الفيزيائية كما يجدها و يشتق القوانين الفيزيائية التى نعرفها ثم يتسائل لماذا وُجدت فى هذا الوقت بالضبط.
اختم بالقول ان هناك صيغ اقوى للمبدأ الانطروبيكى ترجع بالخصوص للفيزيائى النظرى تيبلر Tipler فى كتابه عام 1986 الذى استعمله لبناء كوسمولوجيا جديدة تسمى الكوسمولوجيا أوميغا omega cosmology عندما اقرأها اشعر و كاننى اقرأ فلسفة وحدة الوجود لابن عربى ربما ساشرح هذه العلاقة فى فرصة اخرى ان شاء الله..
ايضا هذا المبدأ كان قد استخدمه منذ قرنين تقريبا الفيلسوف المشهور شوبنهاور Schopenhauer بنفس الطريقة اعلاه لكن لم يشتهر لاسباب مختلفة و ايضا استعمله بعض الكتاب البيولوجيون لكن لن يشتهر ايضا..
لكن كما ذكرت اعلاه فان نظرية حجة الاسلام الغزالى فى انه ليس فى الامكان احسن مما كان تدخل ايضا -حسب رأيى- تحت هذا الاطار العام...
ايضا يجب على ان اقول ان هذا المبدأ له ايضا انتقادات واسعة من الفيزيائيين النظريين و اننى شخصيا كنت لفترة قصيرة غير مقتنع تماما بأنه يحتوى فعلا على اى محتوى لكن بدأت نظرتى تتغير بعد ان رأيت الربط بينه و بين مركزية الارض التى كانت من اكثر النقاط المحيرة لى فى الميتافيزيقا الدينية او الفلسفية.

Comments