كيف تناقض الطبيعة المنطق?



نعتبر ثلاثة خواص A و B و C...
ونعتبر مجموعة من الاشياء التى يمكن ان تتميز بأى من الخواص A و B و C ...
اذن لدينا ثلاثة مجموعات A و B و C متقاطعة فيما بينها كما هو ممثل بالدوائر (التى تسمى دوائر فين Venn) فى الصورة...
مثلا المجموعة (1) فى الصورة هى مجموعة الاشياء التى لها الخاصية A فقط..
اما المجموعة (2) فى الصورة فهى مجموعة الاشياء التى لها الخاصية A و الخاصية C فى نفس الوقت...
و المجموعة (6) مثلا هى مجموعة الاشياء التى لها B و C...
و المجموعة (5) لها الخواص الثلاثة A و B و C معا..انظر الصورة..
وهكذا..
ليكن الآن N1 عدد الاشياء التى لها الخاصية A و ليست لها الخاصية B..من الصورة مباشرة هذا العدد يساوى
N1=(1)+(2)
اى هو عدد الأشياء الموجودة فى المجموعتين (1) و (2)..
وليكن N2 عدد الاشياء التى لها الخاصية B وليست لها الخاصية C ..مرة اخرى من الصورة هذا العدد يساوى
N2=(7)+(4)
وليكن N3 عدد الاشياء التى لها الخاصية A وليست لها الخاصية C ..مرة اخرى من الصورة لدينا
N3=(1)+(4)
مباشرة من العلاقات الثلاثة اعلاه نستنتج ان
N1+N2>N3
اى عدد الاشياء التى لها الخاصية A و ليست لها الخاصية B زائد عدد الاشياء التى لها الخاصية B و ليست لها الخاصية C أكبر او يساوى من عدد الاشياء التى لها الخاصية A و ليست لها الخاصية C ..
البرهان بالتعويص فقط..
هذه هى مبرهنة بال Bell فى نظرية المجموعات..وهى لا تعتمد الا على المُجمع عليه من قواعد المنطق و نظرية المجموعات...
بال اكتشف ان الميكانيك الكمومى عندما نضيف اليه ما يسمى بالمتغيرات المخفية hidden variables (اى عندما نجعل الميكانيك الكمومى نظرية احتمالات عادية بمعنى انها تعتمد على المنطق و نظرية المجموعات)-وهذا كما كان يرى اينشتاين- فاننا نجد انه يحقق المتراجحة اعلاه (التى تسمى متراجحة بال) حيث ان الخواص A و B و C هى قياسات عزم اللف مثلا او اى قياسات كمومية اخرى ..
كل هذا ليس بمفاجأة..
لكن المفاجأة الاكبر و الاعظم -وربما اكبر اكتشاف فى الفيزياء على الاطلاق- ان الميكانيك الكمومى كما هو (اى بدون اضافة اى شيء له) لا يحترم متراجحة بال اعلاه بل على العكس يخرقها بشكل سيء جدا جدا و بسهولة..
ثم ان الطبيعة التى تخضع للميكانيك الكمومى تخرق بدورها المتراجحة اعلاه و تخرقها بالضبط كما يتنبأ بذلك الميكانيك الكمومى و لهذا فاننا نقول ان الميكانيك الكمومى هو النظرية الاساسية للواقع و ليس شيئا آخر..
اذن كل التجارب التى أجريت لحد اليوم -ودقتها تزداد يوما بعد يوم- تقول ان الطبيعة و الميكانيك الكمومى يخرقان متراجحة بال...
هذا يعنى مما يعنيه ان الواقع ليس واقعى real و ليس موضعى local و لربما لا يوجد اختيار حر free choice و لربما ايضا هناك تأثير سببى متأخر advanced causal action...
كل هذه الامور بسطتها على محاضراتى على اليوتوب...
لكن الاستنتاج الآخر ان الطبيعة و الميكانيك الكمومى تناقضان اذن المنطق بأبسط صوره و لهذا يجب ان نقول -لكننا لانقول أبدا ذلك لاننا سُنفهم خطأ بدون شك- ان الطبيعة و كذا الميكانيك الكمومى لا منطقيان..
لكن هذا لا يعنى انهما غير عقليان -وهذا ما يغفل عن تميزه الكثير-..فالعقل اكبر من المنطق..
ورغم ان الميكانيك الكمومى و الطبيعة لامنطقيان كما قرر ذلك الحس فهما عقليان لأن الميكانيك الكمومى كنظرية هو بناء عقلى هائل ينبنى على منطقه الخاص (المنطق الكمومى)...
فالعلاقة بين العقل (الميكانيك الكمومى) و الحس (التجربة) فى دراسة الواقع (الطبيعة) هى علاقة تكاملية تعاضدية بينت بما لا يدع مجال للشك ان الطبيعة تتسامى فوق المنطق الارسطى و تعميماته المعروفة لحد اليوم..
ومن الطُرف اذكر هنا حكاية بوم Bohm الذى استغل لامنطقية الميكانيك الكمومى (وبالضبط متراجحات بال) لكتابة قصص -عندما يقرأها غير المختص فهى تبدو له قصص خيالية محيرة جدا جدا- لكنها للمختص الذى يعرف مبرهنة بال و نتائجها فهى قصص حقيقية تماما مستمدة من تصرف الطبيعة الكمومى...
ثم ان محدودية المنطق قد حددته ايضا مبرهنة غودل -اعظم مبرهنة فى الرياضيات- و هذا امر تكلمت عليه فى المحاضرة على اليوتوب و كتبت فيه عدة مرات من قبل و لاهميته القصوى ساعود اليه ان اشاء الله فى فرصة اخرى بحول الله...
اذن الفيزياء (مبرهنة بال) و الرياضيات (مبرهنة غودل) تذهبان فى نفس الاتجاه: الطبيعة لا منطقية والذى يصفها هو الميكانيك الكمومى و منطقها اذن هو المنطق المستمد من الميكانيك الكمومى..اما من الجهة الاخرى فان الرياضيات -وهى اقوى و ادق البناءات العقلية- لا يمكن ان تختزل ايضا الى المنطق المحض او على الاقل الى انواع المنطق المعروفة اليوم..
ومن هنا استمد شيء اضافى فى الميتافيزقا و علم الكلام...
فالعلاقة الثلاثية بين الطبيعة-العقل-الحس يمكن تعميمها للعلاقة الثلاثية بين الوحى-العقل-النقل..
فالعقل محورى فى كل شيء...
اذن العقل و النقل يجب ان يتعاضدا و يتكاملا فى فهم الوحى و تفسيره, وانه لا يمكن للنقل ان يستبد بالأمر, كما انه لا يمكن للعقل ان يستبد بالامر, و ان الوحى يمكن ان يحتوى على امور لامنطقية, لكن لا يعنى انها امور لا عقلية, فهناك منطق للوحى علينا اكتشافه, وربما الكشف الذى تكلم عنه المتصوفة و تدرسه اليوم فلسفة العقل و علم النفس هو أحد تلك الطرق فى اكتشاف منطق الوحى, وهذا المنطق هو لا منطقى
بالمعنى الأرسطى, كما ان الكمومى الذى هو منطق الطبيعة هو بما لا يدع مجال للشك لامنطقى بمعنى ارسطو..
والعلاقة بين العقل و النقل فى دراسة الوحى قد ناقشها العلماء الفلاسفة فى التراث..
فقد شبه الغزالى مثلا الطرق العقلية بالغذاء و الطرق النقلية بالدواء فلا غنى لاحدهما عن الآخر. و فى هذا الباب ايضا يدخل قول ابن تيمية أن العقل الصريح لا يتعارض مع النقل الصحيح. و هذا المبدأ التيمى قد وضع اساسا للرد على مبدأ الرازى فى قانون التأويل و هو تنظير ثالث فى العلاقة بين العقل و النقل.

Comments