الجبر فى النبى و الجبر فى القرآن


ومن اعظم الدلائل على نبوة الرسول صلى الله عليه و سلم و على اعجاز القرآن الكريم -او كما يسميهما مالك بن نبى رحمة الله الظاهرة النبوية و الظاهرة القرآنية على التوالى- هو طغيان الجبر على خصائص النبى و فى نسق القرآن...
وهنا اقصد بالجبر اللفظ اكثر من المعنى..وكما قال ابن تيمية فنحن لن ننفى هذه الكلمة لاننا بنفيها قد ننفى حقا قد تنطوى عليه وهذا لا يصح...
لكن القدر كما نظره-من التنظير- الغزالى و من ورائه السنة الاشاعرة و امره-من الامرار- ابن تيمية و من ورائه السلفية الحنابلة هو جبر يختلف عن الجبر المحض القاهر الذى قال به الجهم مثلا لكنه جبر لان كل شيء فى المشيئة...
وعلى مذهب اهل السنة و الجماعة ان يعترف بهذا الامر و يحتضن هذه التهمة المزعومة الموهومة و يتخلص من هذا الاشكال الذى اوقع نفسه فيه وهذا مضمون ما قلت فى منشور قديم لى -لم اغير رأيى فى اى من الامور التى ذكرتها هناك-...
اما لماذا الجبر هو من اهم خصائص النبى فكما نبه عليه مالك ابن نبى بشكل عصرى هو ان النبى ليس له اختيار فى قبول الرسالة من عدم قبولها..واغلب الانبياء لم يريدوا فى بدء رسالتهم تحمل هذه المهمة العصيبة و هذه المسؤولية الثقيلة لكنهم وجدوا انفسهم فى الاخير مقهورين مجبورين على قبولها و تحملها و ادائها احسن الاداء..
اذن النبى الحق لا يريد النبوة بله لو خُير فعلا التخيير المجرد المحض -لو امكننا تصوره- لما ارادها و هذا على النقيض من مدعى النبوة فهى بالنسبة اليه مطمح و مغنم..
و هذا معيار قوى جدا جدا للتمييز بين النبى و العراف و مدعى النبوة...
فالعراف فعلا النبوة بالنسبة اليه كما قال النقد الديكارتى عنه نابعة من داخل نفسه..
اما النبى فالنبوة تنبع من خارج ذاته.. اما داخل نفسه فهو ينزع خاصة فى البداية نحو عدم قبولها ثم يجد نفسه محوط بالحتمية الالهية فيؤديها كما اراده الله تعالى ان يؤديها على افضل وجه...
هذا اذن فرق معتبر و هو ليس دليل برهانى لكنه حجة قوية جدا -وهذا تقييمى الشخصى لها- ترتقى الى مستوى المسلمة و يسميها مالك بن نبى فرض ثم يقول انه فرض لا يقل صحة عن فرض النقد الديكارتى الحديث الذى يضع النبى تحت ظاهرة العراف او يفترض ان للنبى شخصية مزدوجة او غيرها من الفرضيات...
فكما ترون هذا تقييم موضوعى متوازن جدا..اذن هو فرض مساوى لغيره من الفرضيات ويمكنكم ان تبحثوا عن فرضيات اخرى لتفسير ظاهرة النبوة..
اذن الجبر فى خصائص النبوة هو عدم رغبة النبى فى تحمل عبء الرسالة وشعوره بالقهر النفسى -وهو مصطلح مالك بن نيى- على ضرورة تحملها لا مناص من ذلك فهو لا خيار له فى الامر فان الله سبحانه و تعالى قد اختاره و اراده لحكمة لا لغاية يعلمها الله سبحانه و تعالى فقط وليس له بعد ان اختاره الله ان يقبل او يرفض...
وهذا النوع من الجبر كخاصية من خصائص النبى مذكور فى كتب القدماء بشكل او بآخر-انظروا مثلا المقارنة بين الغزالى و ابن تيمية التى عقدها الشيخ القرضاوى فى احد كتبه و عقدها ايضا الشيخ سالم فى كتاب آخر فان من اهم مواضيع المقارنة نظرية النبى عند حجة الاسلام و عند شيخ الاسلام-
اما الجبر فى نسق القرآن فهى تدور حول الملاحظة البسيطة ان اغلب ايات القرآن فى القدر هى آيات -لو حُملت على ظاهرها- هى جبر و هى جبر محض ومثالها و مارميت اذا رميت و لكن الله رمى...وكل النظرية الكسبية الاشعرية و نظرية الارادة الجزئية الماتريدية و النظرية التيمية التى لا نعرف لا ماهيتها ولا اسمها هى محاولات لفهم هذا الجبر فى اطار المسؤولية الانسانية المسلم بها ايضا...
وهذا موضوع طويل و شائك...
لكن لماذا الجبر فى الظاهرة النبوية و الجبر فى الظاهرة القرآنية هو دليل على النبوة...
لانه بكل بساطة فان موضة اغلب العصور هى التحررية و ليس الجبرية و لو كان النبى محمد نبى كاذب دعى لكان حاول ان يُرضى الجماهير و الشعب و التماهى مع الموضة كأغلب الادعياء -خاصة فى الدين- و لكان من مظاهر تماهيه مع هذه الموضة محاولة ارضاءه لهذه الجماهير بالكلام الوفير الفصيح عن التحررية و ان الانسان ملك للكون سيد نفسه و سيد هذا الكون نفسه و ان كل هذا الكون العظيم قد خلق او وجد لخدمة الانسان الحر المتحرر الذى لا تطغى فوق ارادته اى ارادة و لا يحد اختياره اى قيد..
لكن الذى نجده ان اغلب كلام القرآن هو جبر ينص على ان الانسان لا حيلة له و لا مهرب الا ان يرضى عنه الله سبحانه و تعالى فيوفقه الى مافيه الخير و الفلاح واوله الايمان..
فهذا الكلام لن يرضى عنه ابدا اصحاب التحررية و اولهم وهم افضلهم المعتزلة لكن اغلب الجماهير -خاصة الطبقة المتعلمة منها و المثقفة- فى هذا العصر تميل بشكل او بآخر لهذا الرأى..
لكن النبى لانه مجبر فى رسالته ان يبلغها كما علمها اياه الله سبحانه و تعالى و القرآن لانه الحق جاء به الرسول من عند الحق نفسه فانه قد جاء صريحا مصرحا و ملمحا فى ظاهرة الجبر..
فهو لم يأتى لكى يجامل احدا بل ليقول الحق و الحقيقة كما هما و لان من جاء به لم يأت بحثا عن الشهرة و المجد و الشعبية و الجماهيرية فكل تلك معايير لا يلتفت اليها و لا تهم ابدا النبى الحق لكنها معايير تثير غرائز العراف و النبى المدعى وكل المدعين عبر كل العصور و هذا هو الفرق الجوهرى...

Comments