بين الفطرة و المنطق: كيف يطلب الدليل على من هو دليل على كل شيء؟


وهذا القول يُمثل بشكل ممتاز الفكر التفكيكى التشكيكى لابن تيمية و من تابعه مثل ابن القيم و غيره..
فظاهر هذا القول انهم فعلا لا يرون ضرورة او حاجة الى اقامة الدليل على وجود الله سبحانه و تعالى..
لكن حقيقة القول لو تأملنا انهم يريدوننا ان نتوقف تماما عن السؤال و التساؤل عن كل شيء دينى وان كل شيء فى الدين هو رأيهم هم فقط و ان غيرهم مبتدعة و انهم الفرقة الناجية و غيرهم فى النار..
فهم قد نصبوا انفسهم الممثل الناطق الرسمى للرسول صلى الله عليه و سلم بدون دليل..وعلينا ان لا نسأل هنا عن الدليل..فهذا ايضا واضح عندهم فهم ممثلوا الرسول و السنة و السلف بالفطرة..
ثم يأتى ابن تيمية الى قواعد المنطق و يهدمها على رؤوسنا وكنتيجة لذلك يهدم جميع الادلة التى اقيمت على وجوده سبحانه و تعالى و على صحة نبوة المصطفى..
فمثلا من الواضحات التى ينكرها هو عدم وجود المالانهاية و ان الدور محال لانه لا يريد ان يقبل دليل الحدوث و الدليل الكوسمولوجى على وجود الله..وايضا لان دليل الدور الذى يعتمد على عدم وجود المالانهاية يقع فى اساس جميع الكلام الاسلامى..وكما تتذكرون فان هدم و ردم الفلسفة و الكلام الاسلاميان هو أحد اهم اهدافه بحق او بباطل..
ثم يقول لنا ان دليل كل ذلك هو الفطرة و القرآن و السنة..
سبحان الله ماهذا المنطق المُعوج..
نرمى المنطق الذى هو اساس الرياضيات و الذى يمكن ان نبنى عليه دليل القرآن و السنة و نذهب لننطلق رأسا من القرآن و السنة -كما يفهمهما هو بطبيعة الحال- ..
كيف يكون هذا دليلا لغير المسلم و للمتشكك و للمبتدع و لغيرهم...
كيف يمكن للمنطق ان لا يكون دليلا و تكون الفطرة دليلا..
اذن لماذا كل الغرب الذى يتميز بالمنطق -بداهة- و بالفطرة-لانكم تنسبون الفطرة لجميع بنى آدم- ان لا يهتدوا الى الله سبحانه و تعالى و الى القرآن و الى النبى صلى الله عليه و سلم..
أليس فلاسفة و علماء الغرب اذكى يقينا من ابن تيمية و ابن القيم ومن تابعهم..فلماذا اذن لم يصلوا الى نفس نتائجه ..لماذا لم تكن الفطرة كافية لهم فى حسم اى شيء..وكان المنطق اكثر من كافى لهم فى حسم كثير من الامور العلمية و الفلسفية و الحياتية و الدينية..
اظن السبب ان من يقول بالفطرة و يرفض المنطق يظنها الفاظ فقط تُساق هنا و هناك من دون اى عواقب خاصة انه نصب نفسه بالفطرة و بدون منطق ممثلا للسلف..ثم نصب السلف مرة اخرى بالفطرة و بدون منطق ممثلا للرسول..والعقل بحديه -الفطرة و المنطق- يرفض التنصيب الاول كما يرفض التنصيب الثانى.
اما الغرب فالبنسبة له فان المنطق ليس الفاظ فقط بل هى محتوى و صياغة و لغة كما ان الفطرة ليست لفظ فقط بل هى علم نفس و علم لغة...
اقول ماذا لو وُلد شيخ الاسلام ابن تيمية فى بلاد الكفر من هند او صين او اوروبا..هل ياترى كان سيهتدى الى الله سبحانه و تعالى و الى سنة نبيه المصطفى بالفطرة?...هل كان سيقبل بالقرآن دليلا على الله و على النبوة من دون مقدمات عقلية طويلة?...أم كان سيكون من اكبر المُنظرين للكفر الذى افترضنا انه ولد فيه مثلما فعل قبله القديس اوغستين و غيره?...
اقول ان كل هؤلاء غير العقلانيين فى الدفاع عن الدين عن طريق هدم اركانه العقلية لو ولدوا فى غير بلاد الاسلام و غير ثقافة الاسلام لكانوا بدون ادنى اشك اكثر شراسة فى الدفاغ عن ذلك الدين الكفرى الذى ولدوا فيه...
فالمتعصب هو متعصب ليس لانه مسلم بل لانه متعصب-فهو امر وراثى و ليس بيئى-..فالمتعصب اذاو لد فى الاسلام كان سلفيا او شيعيا واذا ولد فى امريكا كان انجيليا او صليبيا او صهيونيا و اذا ولد في الهند كان هندوسيا او بوذيا و هكذا..
ثم ان تفكيك ابن تيمية و بدرجة اقل تلميذه ابن القيم -المقلد له بدون ادنى مقاومة- هو تفكيك لكل صياغات الاسلام الكلامية و الفلسفية و الصوفية و حتى الفقهية واقول انه تفكيك لعرى الاسلام نفسها لانه قد يتسبب فى شك هائل يصعب الرجوع عنه..
ولو قرأتم له قليلا فانه فى اى مسألة تُطرح عليه يبدأ دائما بالاعتراض والتفكيك ثم يحاول ان يعطى رأيا مخالفا و يستميت فى ذلك وكأن ذاك هو الحق و الابداع..
وان هذا النوع من التفكيك و التشكيك الذى مارسه اين تيمية قد تسبب لى شخصيا فى تفكك و تشكك هائل فى كل الصياغات الاسلامية العريقة للاسلام من فلسفية و معتزلية و اشعرية و غيرها دون ان استطيع ان اقبل صياغته السلفية لاننى لم اجدها شيئا عندما نظرت اليها..
ثم يقف المبررون من اتباعه و من غيرهم و يقولون ان ابن تيمية قد مارس البناء بعد ان فكك و شكك فى صياغات الخصوم..
و اننى شخصيا قد صرفت وقتا طويلا -ندمت عليه- بحثا عن ما يمكن تسميته بالضباغة التيمية للاسلام و لم اجد شيئا واحدا يُعتد به و يعول عليه...
فهو قد فكك اللغة و فكك الكلام و فكك الفلسفة وفكك الفقه..
و فكك حتى الفحول من امثال الغزالى و ابن حزم و غيرهم وعندما تسأل المبررين المتحمسين من اتباعه ماهى بالضبط صياغة ابن تيمية الخاصة به و ماذا يريد فعلا ان يقول لنا..
يقولون هو منهج اهل السنة و الجماعة..وهو كلام عائم..وهى الفاظ مرة اخرى لانهم مثله يظنونها الفاظ تساق هنا و هناك بدون معنى تحمله و بدون عواقب حقيقية..
فالكل يتمسح بالسنة و الجماعة واولهم و اكبرهم الاشعرى و اتباعه و الماتريدى و اتباعه و ابن عربى و اتباعه..
فهل انتم مختلفون عن هؤلاء و اين...
يقول احدهم فى رسالته نحن مختلفون معهم فى كل شيء..
عندها نصل الى نتيجة واحدة لا محيص عنها اما انكم انتم على باطل محض او ان خصومكم على باطل محض..ليس هناك حل وسط...
لكن خصومكم عددهم و نفيرهم اكثر منكم بعشرات المرات..
اذن نصل الى نتيجة اخرى ان الفرقة الناجية التى هى انتم-حسب ادعاؤكم- هى فرقة اقلية مُهملة بجميع المقاييس و ان كل التراث الاسلامى هو باطل مبتدع لان خصومكم هم من جاؤوا به...
اذن هذا التشكيك و التفكيك الذى مارسه ابن تيمية هو تشكيك فى الدين و التراث و السلف باجمعهم و ليس فقط تشكيك فى الاشاعرة و الماتريدية و الصوفية و المعتزلة كما يقولون و يظنون...وهذا من اخطر ما يكون...

Comments