الفضاء-زمن كشبكة معقدة من التشابك الكمومى

بعد درس المنطق و درس التاريخ نأتى الى درس الفيزياء النظرية لهذا الاسبوع..
السؤال الذى اود ان اطرحه ثم اجيب عليه هو: ماذا يحدث فعلا عند فعل الرصد او القياس الكمومى?
الجواب فعلا هو أن لا أحد فعلا يدرى لكن هناك تفسيرات..
اليوم سأركز على تفسير اكثر من رائع يشبه الفيلم السينمائى الخيالى او اللوحة السريالية لصاحبها الفيزيائى الامريكى النظرى الشهير الشيخ (شيخ اهل الفيزياء النظرية) ساسكيند Susskind الذى يعتمد على آخر خرجاته مع الفيزيائى الآخر الشاب و الاكثر شهرة مالداسينا Maldacena وهى الحدسية conjecture المعروفة باسم حدسية ال
ER=EPR...
فى هذه الحدسية فان التشابك الكمومى quantum entanglement يلعب الدور المحوري الاول و هذا هو الرمز EPR فى المعادلة اعلاه..
وايضا فان الثقوب الدودية wormhole التى تربط بين الثقوب السوداء او ما يعرف ايضا باسم جسر اينشتاين و روزن تلعب الدور المحورى الثانى و هذا هو الرمز ER فى المعادلة اعلاه...
اذن ساسكيند يتصور (وهو تصور فنى لكن مبنى فعلا على قرائن كثيرة) على ان التشابك الكمومى بين اى جملتين فيزيائتين هو يتم فعلا عبر جسر اينشتاين Einstein و روزن Rosen يربط بين الجملتين..لهذا فان الجمل الفيزيائية البعيدة جدا عن بعضها تتصرف و كأنها متفاعلة او بالاحرى مرتبطة correlated عبر التشابك الكمومى وبالتالى فانها تتتصرف و كأنها تقع فى نفس النقطة فى الفضاء بالضبط لان ثقب دودى يربط بين الجملتين..انظر الصورة الثانية...
هنا يفترض ساسكيند و مالداسينا ضمنيا ان الثقب الاسود هو ليس الا مجموعة هائلة من البتس (جمع بت bit) الكمومية او ما يعرف اختصارا باسم الكيوبتس qubits...
وتذكروا ان البت هو وحدة المعلومة unit of information كما ان الجسيم الاولى هو وحدة المادة و كما ان الكوانتا quanta هو وحدة الاشعاع و التفاعل و القوة..
اذن ساسكيند يتصور ان الجملتين الفيزيائيتين المتشابكتان كموميا يمكن ضغطهما حتى تنهارا تحت تأثير قوة ثقالة جسيماتهم وتتحولا الى ثقبين اسودين و لان الجملتين متشابكتان كموميا فان الثقبين الاسودين الناجمين عنهما متشابكان كموميا هما ايضا و هذا يعنى انهما مرتبطان مكانيا عبر جسر اينشتاين و روزن او ما يسمى بالثقب الدودى..انظر الصورة الثانية مرة اخرى...
الآن نأتى لفعل الرصد الكمومى (وهذا ما شدنى اكثر لهذا الموضوع) ونعتبر تجربة قط شرودينغر Schrodinger لكن مع ثلاثة راصدين و ليس راصد واحد (اما لماذا فستعرفون بعد قليل)..
الراصد الاول فى الغرفة الخارجية نسميه اينشتاين و نرمز له ب E....الراصد الثانى نسميه فيغنر Wigner و هو فى الغرفة الثانية و نرمز له ب W...والراصد الثالث هو صديق فيغنر و نرمز له ب WF...انظروا الصورة الاولى...اذن هذه التجربة هى تجربة صديق فيغنر فى الحقيقة و ليس تجربة قط شرودينغر المبسطة..انظروا مناشيرى السابقة حول هذا الموضوع بالانجليزية و العربية على المدونات...
نعتبر تفسيرات الميكانيك الكمومى الاساسية: تفسير كوبنهاغن Cophenhagen غير العكسى irreversible و تفسير عديد العوالم manyworlds العكسى reversible....
بالنسبة لتفسير كوينهاغن فان صديق فيغنر عندما يرصد حالة القط فان دالة الحالة تنهار collpases (هذا هو المصطلح التقنى) الى حالته حيا أو حالته ميتا..
اما بالنسبة لعديد العوالم فان نتيحة الرصد تعطى بما يراه الراصد فيغنر..اذن الرصد يتسبب فى خلق تشابك كمومى بين
- حالة القط الميت و حالة صديق فيغنر و هو يرى القط ميت من جهة
-و حالة القط حى و حالة صديق فيغنر و هو يرى القط حى من جهة اخرى..
اذن فى عديد العوالم فان الرصد الكمومى هو عملية تخلق للتشابك الكمومى بين الراصد و المرصود..اما فى الكوبنهاغن فان الرصد الكمومى هو عملية انهيار للدالة الموجية وضياع التشابك... و كما سيبين ساسكيند الآن فان هذين الوصفين متكاملين complementary غير متناقضين contradictory..
الآن يمكن ضغط المادة المشكلة للقط و المادة المشكلة لصديق فيغنر الى ثقوب سوداء و نحصل بذلك على ثقبين اسودين متشابكين كموميا بشكل قصوى كما شرحنا اعلاه...
التشابك الكمومى يعنى بعبارة اخرى (لم اذكرها اعلاه بهذه الصيغة) ان هناك امكانيك تواصل بين الجمل الفيزيائية المتشابكة عن طريق ارسال اشارة تذهب الى الثقب الدودى الذى يربط بين الثقبين الاسودين المقابلين للجملتين الفيزيائتين...
اذن القط هو ثقب اسود C و الراصد صديق فيغنر هو ثقب اسود WF وهما متربطان ببعضهما عبر جسر اينشتاين روزن...اذن يمكنهما التواصل فيما ببينهما عن طريق الذهاب الى داخل الثقب الدودى كل من جهته و ارسال اشارة...
الآن فى الكوبنهاغن عملية القياس تقابل انهيار دالة الموجة..هذا الامر يقابل من جهة ال ER=EPR عملية قص للثقب الدودى الرابط بين القط و صديق فيغنر و بالتالى امتناع ارسال اى رسالة بينهما (تذكروا ان الكوبنهاغن هو تفسير غير عكسي... و هذه الخاصية هى بالضبط ما يعبر عنه هنا بالقص و امتناع التواصل)...انظروا الصورة الثالثة...
لكن عديد العوالم تقول ان القياس هو عملية احادية فى الزمن و بالتالى لا ينكسر الثقب الدودى و التواصل بين القط و صديق فيغنر مازال ممكنا عبر القفز فى الجسر الدودى (وهذا تعبير عن عكسية عديد العوالم الراجعة الى عدم احتواءها على انهيار دالة الموجة)..
اذن نصل الى مفارقة بين الرؤيتين...فالكوبنهاغن تقول ان التواصل غير ممكن اما عديد العوالم فتقول ان التواصل بين القط و صديق فيغنر عبر الثقب الدودى الرابط بين ثقبيهما الاسودين ممكن...
الحل كما بينه ساسكيند سهل جدا..نذهب الى الراصد الاخير اينشتاين و نرى وجهة نظره..
بالنسبة للراصد الثالث فان الجمل الثلاثة: القط و صديق فيغنر و فيغنر كلهم متشابكون كموميا و عن طريق ضغطهم الى الثقوب السوداء المكافئة نحصل على على ثلاثة ثقوب سوداء متصلة ببعضها البعض عبر جسر ثلاثى و ليس ثنائى..
وكما أن الجسر الثنائى او الثقب الدودى كان يعبر عن حالة كمومية ثنائية متشابكة قصويا تسمى حالة بال Bell فان الجسر الثلاثى يعبر على حالة كمومية ثلاثية متشابكة قصويا تسمى حالة GHZ نسبة الى مكتشفيها Greenberger, Horne, Zeilinger...
هذا الجسر الثلاثى سماه ساسكيند بالبراين GHZ او GHZ brane وهذا ليس له اى علاقة بالبراينات الوترية.. بل هو جسم فيزيائى مثله مثل جسر اينشتاين و روزن تحدد خواصه الهندسية تماما بالخواص الفيزيائية للحالة GHZ الثلاثية كما ان الخواص الهندسية للثقب الدودى تحددها بالكامل الخواص الفيزيائية لحالة بال الثنائية...
وحل المفارقة او المعضلة اعلاه يكمن فى خواص الحالة GHZ هذه بالضبط المتشكلة من القط و صديق فيغنر و فيغنر اى من ثلاثة اطراف..فمن خواصها انه لا يوجد اى تشابك كمومى بين اى طرف لوحده و اى طرف آخر لوحده و هذا يعنى انه لا يمكن لاى طرف لوحده ان يتواصل مع اى طرف آخر لوحده (وهذا بالضبط ما قالته لنا الكوبنهاغن من دون عناء)..
لكن من خواص ال GHZ ايضا ان اى طرف من الاطراف الثلاثة هو متشابك كموميا مع اتحاد الطرفين الآخرين (وهذا هو السبب الذى من اجله نسمى هذا التشابك الكمومى الثلاثى قصوى maximal)...اذن يمكن ان يتعاون اى طرفين لارسال رسالة عبر البراين GHZ او الثقب الدودى الثلاثى للطرف الأخير..وهكذا كيف يمكن التواصل و هذا هو ما قالته لنا عديد العوالم من البدء...انظروا الصورة الثالثة مرة اخرى...
اذن لا تناقض مطلقا بين الرؤيتين لكن يبدو ان عديد العوالم تحتوى على قدر اكبر من المعلومات لانها لم تضيع التشابك الكمومى عن طريق انهيار دالة الموجة..
وهذه الصورة باستخدام التشابك الكمومى و الثقوب السوداء و ال ER=EPR هى من اعظم الصور الفيزيائية لتفسير معضلة التفسير التى وجدتها....
لكنها ايضا تعطى لنا صورة جديدة لهندسة الفضاء-زمن الكمومية على انها شبكة معقدة جدا من التشابكات الكمومية...
التفصيل اكثر فى المقال بالانجليزية مع المراجع على المدونة
http://algerianphysicist.blogspot.com/…/wingers-friend-expe…
مع تحياتى و الى الاسبوع القادم ان شاء الله..من اراد المزيد فليتابعنا على الصفحة الفايسبوكية
https://www.facebook.com/BadisYdri/
او على المدونة الكبرى
http://badisydri.blogspot.com
 
 



Comments